تستمد الكتابة قيمتها الجوهرية من قدرتها على نقل اللغة من حيز الارتجال الشفهي إلى فضاء التأليف الممنهج والتركيب اللغوي المبتكر، مما يجعلها وسيلة لمواجهة النسيان والزمن، على عكس الكلام المنطوق الذي يتلاشى سريعاً. ويستشهد الكاتب بالقرآن الكريم الذي اكتمل تدوينه ليصبح «الكتاب»، وهو ما يمثل ذروة الإعجاز الإلهي في الكتابة. وبذلك، تصبح الورقة البيضاء بالنسبة للمؤلف مساحة لترك أثر يمنحه وجوداً يتجاوز حدود الجسد المادي.
وقد تباينت رؤى العرب في دلالات الكتابة؛ حيث ربطها اللحياني بالاسم، مستنداً إلى الكتب السماوية التي اكتسبت شهرة واسعة، مما يجعل الكتابة في أرقى صورها عملية إعادة تسمية للأشياء وخلقها من جديد، وهو ما يولد حالة من الدهشة لدى القارئ تشبه تأثير السحر، تماشياً مع الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».
من جهة أخرى، يرى ابن الأعرابي أن الكاتب هو العالم، مستدلاً بالآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، ليعتبر الكتابة أداة لسبر أغوار الكون وكشف أسراره، متجاوزاً بذلك الجانب الجمالي الصرف. فالكاتب الحقيقي في هذا المنظور هو مستشرف للحقيقة ومؤتمن على المعرفة، وليس مجرد متلاعب بالألفاظ، فهو الذي يحمي اللغة من أن تتحول إلى مستنقع من الكلمات الراكدة.
وبناءً على ذلك، يبرز فرق شاسع بين «الكتّاب» الذين يسعون لتغيير العالم عبر نصوصهم، وبين «الكتبة» الذين يقتصر دورهم على الجوانب التقنية والنحوية لصياغة العقود والخطب الرسمية. ويشبه الكاتب هذا التباين بالفرق بين الشاعر الحقيقي الذي يمتلك الحدس وفرادة اللغة، وبين «النظّام» الذي يكتفي بالالتزام بالأوزان والقوافي التقليدية المستهلكة.
ويظهر هذا التباين بوضوح في العصر العباسي، الذي شهد وجود قامات أدبية رفيعة مثل الجاحظ وابن المقفع وأبي حيان التوحيدي، وفي المقابل ظهرت مجموعات من كتبة الدواوين والمدعين الذين استغلوا مهاراتهم اللغوية لأغراض مادية. ولم يختلف حال الشعر، فبجانب المتنبي والمعري وأبي تمام، وجد «النظامون» الذين سخر منهم أبو الطيب المتنبي في قوله:
«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ
ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»
ويرى الكاتب أن شغف العرب بالشعر دفع الكثير من محدودي الموهبة للسعي وراء لقب «شاعر». ورغم وجود انتحالات في الماضي، إلا أن الوضع الراهن يتسم بفوضى عارمة ورداءة شاملة طالت الرواية والقصة وكافة الفنون، مما حول الساحة الثقافية إلى ما يشبه «برج بابل» من العقم الإبداعي.
ويعزو الكاتب هذا التدهور إلى عدة عوامل، منها تراجع النقد الجاد والصحافة الثقافية الرصينة، وتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مصانع لإنتاج «المتشاعرين»، وصولاً إلى دخول الذكاء الاصطناعي الذي ساهم في ظهور موجات من التأليف الآلي الجاهز.
كما ينتقد الكاتب الدور السلبي لبعض دور النشر التي تلهث وراء الربح المادي السريع، متجاهلة المعايير الفنية والإبداعية، ومستغنية عن لجان القراءة والتدقيق اللغوي، وهو سلوك لا يبتعد عنه إلا القلة من الناشرين المخلصين للثقافة.
وفي سياق متصل، يشيد الكاتب بالتنظيم الإداري لمعرض بيروت الأخير للكتاب، لكنه يلاحظ أن معظم الندوات الفكرية كانت سطحية ومجرد ترتيبات تجارية بين الناشرين والمؤلفين، تفتقر إلى العمق المعرفي.
أما الكارثة الكبرى، فتمثلت في تضخم حفلات توقيع الكتب التي غصت بمؤلفات فارغة فكرياً وأسلوبياً. وقد استغل الناشرون ذلك برفع أسعار هذه الكتب، لعلمهم أن المشترين هم من الدوائر المقربة للمؤلف من أهل أو حزب أو أصدقاء، الذين يشترون الكتاب دعماً شخصياً لا قيمة أدبية.
ويختتم الكاتب مقاله باستعادة ذكرى الشاعر اللبناني خليل حاوي، الذي التقى به في شارع الحمراء قبل اجتياح بيروت عام 1982. حينها، عبر حاوي عن استيائه الشديد من غياب المعايير النقدية وسيطرة الطفيليين على المشهد الثقافي، خاصة في مجال الشعر، لدرجة أنه قال: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». ويتساءل الكاتب في النهاية عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد» لو شهد واقعنا الثقافي اليوم.