بعد انقطاع دام أكثر من أربعة عقود عن ساحة التمثيل، وافت الفنانة رجاء محمد اليوم (الثلاثاء) عن عمر يناهز 64 عاماً، في خبر أثار صدمة لدى محبيها الذين ظلوا يتساءلون عن أحوالها ويستحضرون ذكرياتها. ورغم غيابها الطويل، حافظت على مكانتها في الوجدان الشعبي بفضل إطلالتها الشبابية في مسلسل «خالتي قماشة» وجلسة غنائية قديمة متداولة على منصة «يوتيوب».
اختارت الراحلة اعتزال الفن في مرحلة مبكرة من حياتها، بعد مسيرة امتدت نحو ست سنوات جمعت بين التمثيل والغناء ومسرح الطفل، لتتفرغ تماماً لحياتها الأسرية. وقد ارتبط اسمها خلال تلك الفترة بأعمال بارزة مثل «خالتي قماشة» و«السندباد البحري»، بينما استمر انتشار أعمالها بين الأجيال المتعاقبة بفضل التسجيلات القديمة التي أعادها الإنترنت إلى دائرة الضوء، مما مكّن جديداً من اكتشاف موهبتها.
تُعد شخصية «ليلى» في مسلسل «خالتي قماشة»، الذي عرض عام 1983، من أبرز الأدوار التي خلدت اسم رجاء محمد. وقد جسدّت فيها دور الشقيقة الصغرى لـ«محبوبة» التي أدتها سعاد عبد الله، وابنة «حجي مرزوق» الذي لعب دوره خالد النفيسي. تميزت الشخصية برقتها ومرحها وحبها للموسيقى، مما أضفى خفة على المواقف العائلية وأتاح لها إبراز عفويتها وصوتها وسط نخبة من كبار الممثلين.
تميز أداء الراحلة بالهدوء والبساطة، حيث بدت في العديد من المشاهد وكأنها تتحدث بطبيعتها دون تكلّف، مما خلق إحساساً بالألفة لدى المشاهد. وأحياناً يوحي رد فعلها بأنها ترتجل عباراتها، خاصة في المشاهد العائلية، فتبدو كإحدى بنات العائلة المألوفات أكثر من كونها ممثلة تنفذ نصاً مكتوباً.
تحمل الصورة الفنية لرجاء محمد بصمة واضحة من حقبة الثمانينات، سواء من حيث الأزياء أو تسريحة الشعر الكثيف المتموج. وعلى الرغم من قصر مسيرتها، بقيت هذه الصورة هي الأعمق رسوخاً في الأذهان، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة البصرية للدراما الكويتية وتستحضر لدى الجمهور تفاصيل تلك المرحلة كاملة.
رغم كثافة الشخصيات القوية والصراعات والمفارقات الكوميدية في مسلسل «خالتي قماشة»، حافظت شخصية «ليلى» على مكانتها الخاصة في ذاكرة المشاهدين. وساهمت إعادة عرض المسلسل بشكل متواصل في إبقاء صورة رجاء حية في أذهان جمهورها، بالوجه والصوت نفسيهما اللذين عرفوهما في مقتبل شبابها.
في المجال الغنائي، ارتبط اسمها بأغنية «شويخ من أرض مكناس»، التي أدتها في جلسة قديمة بحضور عدد من نجوم الفن الكويتي. وقدّمت الأغنية بصوت رقيق وعفوية تناسب أجواء الجلسة والمرافقة الموسيقية، ليصبح هذا التسجيل من المقاطع الأكثر استعادةً من قبل محبيها على «يوتيوب». وتظهر في تلك الجلسة ملامح تفاعلها وهدوء صوتها، مما يكشف عن أسباب تعلق الجمهور بها.
وُلدت رجاء محمد سالم عام 1962 لأبوين سوري وأم كويتية، وبدأت مسيرتها الفنية عام 1978 وهي في السادسة عشرة من عمرها، من خلال مسرحية «السندباد البحري» إلى جانب عبد الرحمن العقل واستقلال أحمد. وتوالت مشاركاتاتها بين المسرح والتلفزيون، من بينها «الزرزور» و«طرزان»، لتصبح من الوجوه المؤسِّسة لمسرح الطفل في الكويت، مستفيدة من قدرتها على الجمع بين التمثيل والغناء ومخاطبة الأطفال.
كما أدت دور «منى» في مسلسل «أحلام صغيرة» عام 1982، حيث جسدت فتاة مراهقة حالمة تبحث عن الحب، وشكلت محوراً للأحداث. وشملت أعمالها أيضاً «حياتنا» و«غداً أمي قالت لي» و«أوبريت قناديل الأمل»، وصولاً إلى «أوبريت سندريلا» الذي أدت فيه الشخصية الرئيسية أمام محمد المنصور، ليعتبر ختاماً لمسيرتها الفنية في النصف الأول من الثمانينات قبل دخولها مرحلة الابتعاد الطويل.
تركز حضور رجاء محمد الفني في شخصيات شابة رقيقة وحالمة، وأعمال تتيح مساحة للغناء والمرح. وكانت قوتها الرئيسية تكمن في عفويتها وخفة حضورها، بينما بقي أداءها ضمن نطاق تعبيري محدود نسبياً مقارنة بما تتطلبه الشخصيات المركبة والتحولات النفسية العميقة. كما أن اعتزالها المبكر حال دون متابعة تطور موهبتها عبر سنوات الممارسة والنضج.
تُظهر تجربتها كيف يمكن لفنانة قليلة الأعمال أن تحافظ على حضور دائم بفضل تفاصيل صغيرة يحفظها المشاهد، مثل الابتسامة أو نبرة الصوت أو مشهد غنائي يعيده إلى سنوات خلت.
بعد سنوات طويلة من الانقطاع، أعاد ظهورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تجديد الصلة مع محبيها. وظهرت في تلك الإطلالات محجبة، مع ظهور آثار التقدم في العمر على ملامحها مقارنة بصورها الشابة في الأرشيف. واستقبل الجمهور ظهورها باهتمام كبير أعاد اسمها إلى دائرة النقاش، وتجددت الأسئلة حول حياتها، واستعاد المتابعون مشاهدها وأغانيها، لتتحول تلك الإطلالات إلى مناسبة للتعبير عن محبة استمرت طوال فترة غيابها.