عنب بلدي – نورا قاسم
تشهد سوريا، مؤخرًا، تنفيذ مشاريع عقارية قادمة من الخارج، دون عرض دراساتها على نقابة المهندسين، ما يثير مخاوف من عدم توافقها مع “الكود السوري”، في وقت تطالب فيه الوزارة المكاتب المحلية بتطوير قدراتها لمواكبة الخبرات الخارجية.
ويأتي ذلك مع إقبال شركات خليجية على الاستثمار في القطاع العقاري السوري، ودخولها في مشاريع بالتشارك مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، من بينها مشروع “أبيات هيلز”.
وتتباين آراء المعنيين بشأن عدم إحالة دراسات هذه المشاريع إلى نقابة المهندسين، ففي حين يرى مسؤولون أن المكاتب الهندسية السورية تحتاج إلى التطوير والتأهيل، بعد نحو 15 عامًا من الانقطاع عن المستجدات العالمية في مجال الإنشاءات، يؤكد مهندسون أن الشركات القادمة من الخارج قد لا تراعي “الكود السوري”، رغم ما تتمتع به الكفاءات الهندسية السورية من خبرات أثبتتها في الداخل والخارج.
دراسات لا تمر عبر نقابة المهندسين
قال نقيب المهندسين في فرع ريف دمشق، أكرم طعمة، لعنب بلدي، إن بعض المشاريع الهندسية القادمة من الخارج، ولا سيما من دول الخليج، أعدّ دراساتها مهندسون سوريون، قسم منهم موجود داخل سوريا وليس في السعودية.
ومع ذلك، لم تُعرض الدراسات التي أعدّها بعض هؤلاء المهندسين في الداخل على نقابة المهندسين للتصديق عليها، وفق طعمة.
وأضاف أن المهندسين السوريين أثبتوا تفوقهم وجدارتهم في دول مثل السعودية والإمارات، ولذلك لا يمكن القول إنهم غير أكفاء أو غير قادرين على إنجاز الدراسات المطلوبة.
من جهته، فرّق المستشار في الاتحاد العربي للاستثمار والتطوير العقاري، البروفيسور عبد الرحيم صابوني، بين جدارة المهندسين أنفسهم وبين وجود أنظمة مرتبطة بالتشريعات والعقود وآليات إدارتها.
وقال صابوني لعنب بلدي، إن المهندسين السوريين، سواء كانوا في الداخل أم الخارج، أثبتوا جدارة كبيرة ويتمتعون بكفاءة عالية، ولا سيما في مجال الهندسة الإنشائية، إذ أثبتوا أنهم من بين الخبراء المتميزين في هذا المجال.
الوزارة: على المكاتب تطوير قدراتها
قال معاون وزير الأشغال العامة والإسكان، ماهر خلوف، خلال كلمة ألقاها في مؤتمر التطوير العقاري، إن الوزارة تتلقى تساؤلات عديدة من نقابة المهندسين بشأن أسباب عدم إحالة الدراسات القادمة من الخارج إليها لتدقيقها.
وأضاف خلوف أن المكاتب الهندسية السورية مطالبة بتطوير نفسها ومواكبة المستجدات، معتبرًا أنها يجب أن تصبح قوية إلى درجة تدفع المستثمر القادم من الخارج إلى طلب العمل معها.
لكن مهندسين في النقابة يرون أن المشكلة لا ترتبط فقط بقدرة المكاتب السورية على مواكبة التطورات، بل تمتد إلى آلية تعامل المؤسسة العامة للإسكان مع نقابة المهندسين.
وبحسب المهندسين، لم تعتمد المؤسسة منذ سنوات على النقابة في تدقيق الدراسات، بل كانت تستند إلى مكتب دراسات تابع لها فيما يتعلق بالأعمال الإنشائية.
مهندسون يترقبون فرص العمل
أكد عضو لجنة المكاتب الهندسية في نقابة المهندسين (فرع ريف دمشق)، المهندس نادر بوكا، لعنب بلدي، أن المشاريع السكنية التابعة للمؤسسة العامة للإسكان كانت تُشاد من دون الرجوع إلى نقابة المهندسين.
وأضاف أن فرع ريف دمشق وحده يضم نحو 4500 مكتب هندسي، تعمل وفق المعايير الهندسية السليمة وتترقب الحصول على فرص عمل.
وأوضح بوكا أن هناك تخوفًا كبيرًا لدى المهندسين من أن تستمر الوزارة، بعد بدء المشاريع التشاركية، بالتعامل مع نقابة المهندسين بالطريقة السابقة نفسها، من دون العودة إليها أو إشراك مكاتبها في تدقيق الدراسات.
ويتفق نقيب المهندسين في فرع ريف دمشق، أكرم طعمة، مع هذا الرأي، موضحًا أن المؤسسة العامة للإسكان لم تكن تعتمد على نقابة المهندسين منذ سنوات، حتى فيما يتعلق بالتراخيص، إذ كانت تستعين بلجنة تختارها من مكتب الدراسات أو التخطيط، بصورة مستقلة عن النقابة.
وطالب طعمة بعدم استمرار هذه الآلية التي كانت متبعة قبل “التحرير”، مشددًا على ضرورة إخضاع جميع المشاريع لمرجعية واحدة هي نقابة المهندسين.
التدقيق لا يعني إعادة الدراسة
تبيّن لعنب بلدي، من خلال حديثها إلى مهندسين في النقابة، أنهم لا يطالبون الشركات العقارية القادمة من الخارج بإعادة إعداد دراسات مشاريعها، وإنما بعرضها على النقابة لتدقيقها، على أقل تقدير، والتحقق من توافقها مع معايير الإنشاء في سوريا.
وتختلف المعايير المعتمدة في سوريا عن تلك المطبقة في دول الخليج أو غيرها من الدول، ما يجعل تدقيق الدراسات ضروريًا قبل البدء بالتنفيذ، وفق المهندسين.
وأكد نقيب المهندسين في فرع ريف دمشق، أكرم طعمة، أن النقابة لا تطلب إعادة دراسة المشاريع القادمة من الخارج، خاصة أن الشركات المنفذة لديها كوادرها الهندسية، وإنما تطالب بتدقيق هذه الدراسات للتأكد من توافقها مع “الكود السوري”.
وأضاف أن النقابة اكتشفت، لدى تدقيق بعض المشاريع، أخطاء ناتجة عن عدم مراعاة المعايير الإنشائية المعتمدة في سوريا.
وذكر طعمة مثالًا عن مشروع هندسي أُدخل إلى البلاد وأعدّ دراسته مهندسون من الجنسيتين الهندية والمصرية، إذ ظهرت أخطاء عند إدخال معطيات الدراسة إلى البرامج الهندسية.
وأضاف أن المهندسين الذين أعدّوا الدراسة أشاروا في مقترحهم إلى احتمال وجود خطأ فيها.
اختلاف المعايير الزلزالية
أرجع نقيب المهندسين في فرع ريف دمشق، أكرم طعمة، ظهور مثل هذه الأخطاء إلى اختلاف معايير الإنشاء المعتمدة في سوريا عن تلك المطبقة في دول الخليج أو مصر.
وأوضح أن معطيات البناء في سوريا تأخذ في الحسبان الدرجات الزلزالية التي يمكن أن تتعرض لها كل منطقة، في حين لا تعتمد السعودية والإمارات الدرجات الزلزالية نفسها المعتمدة في سوريا.
وبحسب طعمة، تُقسم سوريا إلى أربع مناطق زلزالية، ولكل منطقة معطيات تختلف عن الأخرى، ما يستدعي تصميم الأبنية وفق الخصائص الزلزالية للمنطقة التي يُقام فيها المشروع.
وضرب طعمة مثالًا عمليًا على اختلاف الاشتراطات، موضحًا أنه لا يُقبل، وفق “الكود السوري”، أن يكون عرض العمود 25 سنتمترًا عند ارتفاع أربعة أمتار، بل يجب أن يبلغ 30 سنتمترًا.
وأضاف أن بعض المهندسين في مصر يعتمدون في برامجهم عرضًا للأعمدة يبلغ 20 سنتمترًا عند ارتفاع أربعة أمتار، وهو أمر لا يقبله “الكود السوري”، وفق طعمة.
وأشار إلى أن عرض الأعمدة في الطوابق المنخفضة يجب أن يتراوح بين 30 و35 سنتمترًا، مشددًا على ضرورة الالتزام بهذه الاشتراطات في جميع المنشآت، سواء أُعدّت دراساتها في الداخل أم الخارج.
هل يتم التجاوز لتخفيض التكاليف؟
يرى بعض المهندسين أن المستثمرين، سواء كانوا في الداخل أم الخارج، يحاولون تخفيض التكاليف وتجاوز بعض الإجراءات البيروقراطية، وأن بعضهم وجد فرصة لعدم عرض مشاريعهم على نقابة المهندسين.
لكن نقيب المهندسين في فرع ريف دمشق، أكرم طعمة، قال إن تكاليف تصديق النقابة لا تشكل عبئًا كبيرًا على المستثمرين، لأنها تقتصر بصورة أساسية على أتعاب المهندسين.
وأوضح أن النسبة المحددة لمصلحة النقابة يجب أن تبلغ 2.5% من قيمة المتر المربع، في حين تطلب النقابة حاليًا 1.5% فقط.
وقارن طعمة هذه التكاليف بما هو معمول به في دول الخليج، حيث تتراوح قيمة الدراسات الهندسية بين 4 و8% من قيمة المشروع، وقد تصل النسبة إلى 15% عند إضافة تكاليف الإشراف.