لا يكتب فهد التخيفي عن زميل تقاعد، بل عن أخ صنعته الغربة. من رسالة وصلته من محمد بن إبراهيم الوابل بعد إعلان تقاعده من جامعة الملك سعود، يفتح الكاتب شريط أربعة عقود بدأت في كولورادو أيام الابتعاث، ويتوقف عند أعزّ المواقف على قلبه: حضور «أبي إبراهيم» إلى جانب أبنائه حين كانوا وحدهم في أمريكا، عمًا وخالًا وأبًا وأخًا في وقت واحد. مقال في معنى النجاح الذي لا يُقاس بالسجلات، بل بما يبقى في قلوب الناس. والآن نترككم مع كامل المقال: محمد الوابل.. حين تصبح الصداقة أخوّة، والوفاء حكاية عمر د. فهد التخيفي مع إعلان تقاعد الأستاذ الدكتور محمد بن إبراهيم الوابل من جامعة الملك سعود، وصلتني منه رسالة أخوية مؤثرة، استهلها بقوله: «أخي الحبيب ورفيق الغربة والدرب»، ثم استعاد فيها ذكريات سنوات الابتعاث، وما حملته من مشقة وتحديات ومواقف لا تُنسى. وأكثر ما لامس وجداني قوله: «وقد كنت دائمًا أرى فيك أخًا لم تلده أمي»، وإشارته إلى أن أسرتينا كانتا بمثابة أسرة واحدة، وأن ما جمعنا من محبة وأخوة لم تزده السنوات إلا رسوخًا. توقفت طويلًا أمام هذه الكلمات لأنها اختصرت حكاية أخوة امتدت لعقود، بدأت في الغربة، وترسخت بالمواقف، وبقيت حاضرة رغم تعاقب السنوات واختلاف المسؤوليات. فبعض الرسائل لا تُقرأ مرة واحدة، ولكن تستدعي شريطًا طويلًا من الذكريات، وتعيد إلى الوجدان وجوهًا ومواقف وأيامًا لا تمحوها السنين. وقد تزامنت هذه الرسالة مع قراءتي، بكل اعتزاز، ما كتبه الأستاذ الدكتور محمد شايع الشايع عن مسيرة أبي إبراهيم، في مقاله الجميل «حين يودع الوابل جامعته.. حكاية وفاء بدأت من عيون الخرج» في صحيفة «عنوان»، الذي استعرض جوانب من مسيرته العلمية والأكاديمية والإنسانية الحافلة بالعطاء. فوجدت في الرسالة والمقال مناسبة للحديث عن أخ عزيز وصديق عمر، جمعتني به رحلة العلم، وامتدت علاقتنا إلى ما هو أعمق وأجمل من الزمالة والصداقة. عرفت أبا إبراهيم خلال سنوات ابتعاثنا لدراسة الدكتوراه في أمريكا - كولورادو، حيث جمعتنا الغربة بتحدياتها وطموحاتها وتفاصيلها اليومية. ورغم اختلاف تخصصاتنا العلمية، فقد جمعتنا أخوة صادقة صنعتها المواقف ورسختها الأيام. وفي الغربة، حيث يبتعد الإنسان عن وطنه وأهله، تتشكل علاقات لا تُقاس بطول المعرفة، ولكن بصدق المودة ونبل المواقف. ومنذ تلك السنوات وحتى يومنا هذا، بقيت علاقتنا ممتدة وراسخة، لم تنقطع بانتهاء البعثة، ولم تضعف بتباعد الأماكن أو اختلاف المسؤوليات، ولكن ازدادت عمقًا مع مرور السنوات، حتى أصبحت من أجمل مكاسب رحلة العمر. ولعل ما يميز الدكتور محمد الوابل أنه جمع بين ثلاثة أبعاد قلّما تجتمع بهذا القدر من التوازن: تميز الأكاديمي، وأصالة الرجل الاجتماعي، ونبل الإنسان. فعلى المستوى الأكاديمي، عرفته صاحب فكر علمي وطموح لا تحده الوظيفة أو المنصب، يؤمن بأن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى أثر نافع. وقد جسّد ذلك في مسيرته بجامعة الملك سعود، من خلال إسهاماته العلمية والبحثية وجهوده في خدمة الجامعة وتطوير بيئتها الأكاديمية. ولم يكن نجاحه مجرد إنجاز شخصي، ولكن كان امتدادًا لحرصه على دعم زملائه وطلابه، وإيمانه بأن قيمة العطاء تُقاس بما يتركه من أثر يتجاوز الأفراد والمناصب. أما على المستوى الاجتماعي، فأبو إبراهيم من أولئك الرجال الذين تشعر في حضرتهم بألفة القربى وإن طالت المسافات. يحمل في طباعه كرم النفس، وصدق المودة، وحسن المعشر، والحرص على التواصل والسؤال. لا يتعامل مع العلاقات باعتبارها مناسبات عابرة، ولكن يراها مسؤولية أخلاقية وإنسانية تستحق الرعاية والوفاء. غير أن الجانب الإنساني في شخصية أبي إبراهيم يبقى الأقرب إلى قلبي؛ لأن بعض المواقف تتجاوز حدود الشكر، وتصبح جزءًا من تاريخ الأسرة وذكرياتها. ومن أعز تلك المواقف على نفسي ما كان منه تجاه أبنائي خلال وجودهم في أمريكا. فالغربة، مهما توافرت فيها أسباب الراحة، تبقى غربة، خصوصًا حين يواجه الأبناء ظروفًا يحتاجون فيها إلى دفء الأسرة وقرب الأهل. وهناك لحظات لا يبحث فيها الابن عن مجرد صديق لوالده، ولكن عن بيت عمه أو خاله، وعن أسرته الكبيرة التي يجد بين أفرادها الأمان والاحتواء، خاصة حين تحول ظروف الوالدين دون وجودهما بالقرب منه. وفي العديد من تلك اللحظات، كان أبو إبراهيم حاضرًا بما عرفته فيه من شهامة وكرم ونبل. لم يكن حضوره مجرد سؤال أو متابعة أو أداء واجب اجتماعي، ولكن كان حضور الأخ الذي يستشعر مسؤولية أبناء أخيه، ويمنحهم من اهتمامه ومشاعره ما يجعلهم يشعرون بأن لهم أهلًا وسندًا، حتى وهم على بُعد آلاف الأميال من وطنهم. ولقد كان أبو إبراهيم عمًا بمحبته، وخالًا بحنانه، وأبًا بحرصه، وأخًا بمروءته. وهذه معاني الأخوة التي لا تصنعها صلة الدم وحدها، ولكن تصنعها المواقف الصادقة والقلوب النبيلة. واليوم، وهو يطوي صفحة من مسيرته الأكاديمية، أتأمل في معنى النجاح الحقيقي؛ فهناك من يغادر موقعه الوظيفي ويبقى اسمه في السجلات، وهناك من يغادر موقعه ويبقى أثره في عقول طلابه وقلوب زملائه وحياة أصدقائه. وأبو إبراهيم ممن جمعوا بين الأثرين؛ أثر العلم الذي يشهد على العطاء، وأثر الإنسان الذي يبقى حيًا في الذاكرة والوجدان. وأقول لأخي العزيز أبي إبراهيم: لقد عرفتك في سنوات طلب العلم، وفي سنوات العمل والمسؤولية، وعرفتك قبل ذلك وبعده أخًا وفيًا وصديقًا أصيلًا وإنسانًا نبيلًا. وإذا كان كثيرون يعتزون بما قدمته لجامعتك وتخصصك العلمي، فإنني أعتز، إلى جانب ذلك كله، بما قدمته من مواقف أخوية وإنسانية ستظل محفورة في ذاكرتي وذاكرة أسرتي. فبعض الرجال نعتز بمعرفتهم، وبعضهم نفخر بصداقتهم، وقليل منهم يصبحون جزءًا من حكاية الأسرة وذكرياتها الجميلة، وأنت يا أبا إبراهيم من هؤلاء القلة. أسأل الله أن يبارك لك في عمرك وعلمك وأهلك وأبنائك، وأن يجعل ما قدمته في موازين حسناتك، وأن يديم ما بيننا من محبة وأخوة، وأن يكتب لك في المرحلة المقبلة من حياتك مزيدًا من العطاء والسعادة والتوفيق. وستبقى أخًا عزيزًا وصديق عمر، لا تختصره سنوات البعثة، ولا تحدّه المسافات، ولا تنتهي حكايته بانتهاء مسؤولية؛ لأن أجمل ما يتركه الإنسان ليس ما يُكتب في سيرته الذاتية، ولكن ما يبقى من محبته وأثره في قلوب الآخرين. فهنيئًا لجامعة الملك سعود ما قدمته لها من علم وعطاء، وهنيئًا لنا نحن أصدقاءك ما رزقنا الله به من أخوّتك ووفائك ونبل معدنك.
محمد الوابل.. حين تصبح الصداقة أخوّة والوفاء حكاية عمر
يستعيد الكاتب فهد التخيفي، بمناسبة تقاعد الأستاذ الدكتور محمد بن إبراهيم الوابل من جامعة الملك سعود، حكاية أخوّة بدأت أيّام الابتعاث في كولورادو قبل أربعة عقود، وتحوّلت من زمالة علمية إلى علاقة عائلية عميقة جعلت أسرتيهما كأنهما أسرة واحدة. ويبرز المقال جوانب تميّز الوابل الأكاديم...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.