بعد فترة، وصل الحكم إلى يد الأمير يحيى بن محمد، خامس سلاطين دولة الأدارسة. والذي واصل العمل على تعمير فاس بكل السبل الممكنة. وفي ذلك المعنى يقول ابن خلدون في تاريخه: "وامتد سلطانه وعظمت دولته، وحسنت آثار أيامه. واستجدت فاس في العمران وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار، وبنيت الأرباض، ورحل إليها الناس من الثغور القاصية".
هنا، تظهر إحدى السيدات الغامضات على مسرح الأحداث؛ هي فاطمة بنت محمّد الفهرىّ القيروانىّ، وتكنّى أمّ البنين. وتعود أصولها إلى ذرية القائد عقبة بن نافع الفهري القرشي الذي فتح تونس وأسس مدينة القيروان في القرن الأول الهجري.
في الحقيقة، لا تتوافر الكثير من المعلومات عن شخصية فاطمة الفهرية. في كتابه "جامع القرويين"، رجح المؤرخ عبد الهادي التازي أن والد فاطمة، عبد الله محمد بن عبد الله الفهري القيرواني كان فقيهاً ميسور الحال، وعلى درجة من درجات الغنى والثراء. ويبدو أن فاطمة كانت معروفة بتقواها وورعها حتى أنها وصفت في بعض المصادر التاريخية بـأنها "امرأة مباركة صالحة".
يحكي ابن أبي زرع الفاسي في كتابه "الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس" أن فاطمة قد أتت من تونس مع اختها وزوجها وسكنوا بالقرب من الموضع الذي بُني فيه جامع القرويين فيما بعد. وأنه لم يمر وقت طويل عقب قدوم تلك الأسرة إلى فاس حتى توفى زوج فاطمة وأبيها، فورثت منهما مالاً كثيراً. وأرادت أن تخصص تلك الأموال في وجوه البرّ وأعمال الخير وعزمت على بناء مسجد كبير بعدوة القرويين لما رأت أن المسجد الموجود يضيق بالمصلين.
بحسب ابن أبي زرع، فقد كانت أرض الجامع مملوكة لرجل من هوارة ورثها عن آبائه حين بنيت المدينة. فاشترتها فاطمة منه بمبلغ كبير وصل إلى ستين أوقية. وشرعت بعدها في حفر الأرض وبناء المسجد، "وكانت الطريقة التي سلكتها في بنائه إنها التزمت أن لا تأخذ التراب وغيره من مادة البناء إلا من نفس الأرض التي اشترتها دون غيرها مما هو خارج عن مساحتها، فحفرت كهوفاً في أعماقها وجعلت تستخرج الرمل الأصفر الجيد والحجر الكذان والجص وتبني به، تحرياً منها أن لا تدخل شبهة في تشييد المسجد.". وهكذا، بدأ بناء المسجد في رمضان سنة 245هـ واستمر لما يقرب من 18 سنة، حتى تمت أعمال البناء في سنة 263هـ.
بحسب بعض الروايات فإن جهود فاطمة في سبيل بناء المسجد قد حظيت برعاية الدولة الإدريسية؛ إذ استمرت أعمال البناء تحت إشراف الأمير يحيى. وقد قيل إن فاطمة قد حافظت على الصيام المتتابع لسنوات منذ بدء البناء وحتى تمامه. وإنها قد صلت في المسجد بعد تمام بنائه شكرا لله الذي وفقها لإنجاز هذا العمل العظيم. والذي أشاد به ابن خلدون في تاريخه فقال: "فكأنما نبهت بذلك عزائم الملوك من بعدها".
عُرفت فاس باعتبارها واحدة من أهم المراكز العلمية في المغرب الكبير. وفي ذلك يقول عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب في تلخيص أخبار المغرب أن فاس قد "اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة". ويفسر ذلك بالظروف العصيبة التي مرت بها تونس والأندلس على الترتيب، فيقول: "كانت قرطبة حاضرة الأندلس، كما كانت القيروان حاضرة المغرب. فلما اضطرب أمر القيروان... واضطرب أمر قرطبة... رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة؛ فراراً من الفتنة؛ فنزل أكثرهم مدينة فاس، فهي اليوم على غاية الحضارة".
بدوره، يرى عبد الهادي التازي أن جامع/ جامعة القرويين كان مركز الثقل العلمي الفاسي، فيؤكد "إن ما عرفت به فاس من تقدم اقتصادي وازدهار صناعي ورقيّ اجتماعي، كل ذلك مرتبط بالعلم والثقافة، ولم يكن هناك من مركز يمثل ذلك العلم وتلك الثقافة إلا القرويين، الجامعة التي يرجع إليها الفضل الأول في إعلاء شأن البيوت وتدرجها في مدارج الكمال".
في كتابه، تتبع التازي التطورات العمرانية والعلمية التي طرأت على جامع القرويين عبر القرون؛ فذكر أن أولى الزيادات العمرانية في الجامع قد تمت في عهد الزناتيين الذين حكموا فاس في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. ففي سنة 322هـ، أرسل الأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي إلى الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر مستأذناً إياه في توسعة الجامع بعدما ضاق بما فيه من مصلين. وافق الناصر على طلب التوسعة، كما أرسل مبالغ مالية كبيرة للمساهمة في أعمال البناء.
في سنة 528هـ، وقعت زيادة أخرى في الجامع على يد المرابطين الذين اشتروا، خلال حكمهم، العديد من المنازل الواقعة جنوبي المسجد، وهدموها في سبيل إجراء التوسعة. ونقشوا بعض الآيات القرآنية على القباب المجاورة للمحراب، وقد ظلت تلك النقوش موجودة وظاهرة حتى سارع الموحدون إلى إخفائها وطمس معالمها عقب دخولهم إلى فاس في سنة 540هـ. وهكذا، استمرت أعمال التوسعة والزيادة في الجامع قرناً بعد قرن على الرغم من اختلاف الدول والأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم مدينة فاس.
من جهة أخرى، يذكر التازي أن العديد من الأوقاف قد خُصصت للإنفاق على الجامع، وعلى شؤون ومستلزمات التدريس وتعليم الطلبة، ما أتاح تحول الجامع من مسجد تؤدى فيه الصلوات إلى جامعة عامرة يُحاضر فيها الشيوخ والفقهاء. في 515هـ تقريباً، كان ابن أبي جامع الأنصاري من أوائل العلماء الذين جلسوا لتدريس العلوم الدينية في جامع القرويين، ومن بعده شهدت ساحات الجامع حضور العديد من الفقهاء البارزين من أمثال ابن أبي عبيدة الأنصاري القرطبي، وأبي نموي الفاسي، ومحمد بن تومرت.
وبحسب ما أوردته مجلة "دعوة الحق" الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، فقد اتخذت جامعة القرويين بعداً عالمياً بعدما توافد عليها الطلبة من جميع أنحاء أوروبا "للانخراط في سلك طلابها وتلقي العلوم السامية باللغة العربية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين والمصريين والأندلسيين وغيرهم". ويكفي أن نذكر أن البابا الكاثوليكي سِلفِستر الثاني، كان أحد الطلبة الزائرين لجامع القرويين. ومن المُحتمل أن العلوم والمعارف التي حصلها في فاس قد أفادته كثيراً عندما اعتزم العمل على نقل الأرقام العربية إلى أوروبا فيما بعد.
في سياق أخر، شهدت ساحات العلم في جامع القرويين العديد من النقاشات الفكرية والكلامية المهمة، إذ مثل وقوع فاس بين القيروان الشيعية في العهد الفاطمي، وقرطبة المالكية في دولة بني أمية سبباً دائماً في إثارة الجدل المذهبي والعقائدي. وهكذا، ظلت جامعة القرويين منارة لنشر العلوم الدينية الإسلامية في المغرب الأقصى بشكل مستمر لما يقرب من الألف عام، حتى وصفت بأنها "أقدم جامعة في العالم"، وذلك على حد تعبيرمنظمة اليونيسكو.
يمكن القول إن قصة تأسيس وتطور جامع/ جامعة القرويين، تُعدّ نموذجاً ممتازاً لتوضيح دور العوامل الفردية والاجتماعية والسياسية في ظهور المؤسسات العلمية الكبرى في التاريخ الإسلامي. لم يكن لهذا الجامع أن يرى النور إلا بجهود السيدة فاطمة الفهرية التي أرادت أن تخدم المجتمع الفاسي من خلال بناء مسجد تتقرب به إلى الله. ولم يكن لهذا المسجد أن يصبح مركزاً علمياً على هذا القدر من الأهمية إلا مع الاضطرابات السياسية التي عصفت بالحواضر الإقليمية القريبة مثل القيروان.
كما لا يمكن أن نتخيل تحول المسجد إلى جامعة كبرى بدون الاهتمام العظيم الذي قدمه الأدارسة، والزناتيون، والمرابطون، والموحدون عبر القرون. وهكذا، صاغ جامع القرويين عظمة الحضارة العربية الإسلامية، وقدرتها المبهرة على الدمج بين الفردي والجماعي، الديني والسياسي، العلمي والاجتماعي في آن.