اختبر باحثون من جامعة أولو في فنلندا تأثير دواء يعمل على تعزيز آليات تنظيف الدماغ من الفضلات. وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية «نيتشر كومينيكيشنز»، أن الدواء الجديد أدى بالفعل إلى زيادة معدل إزالة البروتينات الضارة من أدمغة المشاركين.
ووفقاً للباحثين، تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لتوظيف آليات التنظيف الطبيعية للدماغ، بهدف التشخيص المبكر والوقاية من الأمراض التنكسية العصبية المسببة للخرف، مثل مرض ألزهايمر، وعلاجها.
وعادةً ما تكون آليات التنظيف الطبيعية للدماغ في أوج نشاطها أثناء النوم، إلا أن الأبحاث الجديدة أظهرت إمكانية تعزيز هذه العملية الطبيعية أيضاً أثناء اليقظة.
وقال البروفسور فيسا كيفينييمي، رئيس مجموعة أبحاث التصوير العصبي الوظيفي في جامعة أولو، في بيان صدر الأربعاء: «تؤدي الأمراض المسببة للخرف إلى تراكم تدريجي للبروتينات الضارة في الدماغ، في عملية مستمرة على مدى عقود».
وأضاف: «مع إمكانية تعزيز نظام التخلص الذاتي في الدماغ من هذه البروتينات بأمان، وفي الوقت الذي لا يزال فيه الأفراد أصحاء، قد يصبح من الممكن مستقبلاً الوقاية من الإصابة بهذه الأمراض، أو على الأقل إبطاء تطورها».
ومن المعروف أن قدرة هذا النظام الطبيعي في الدماغ على التخلص من البروتينات الضارة تتضاءل تدريجياً مع التقدم في العمر.
أظهرت دراسات سابقة أن خفض ضغط الدم بصورة مؤقتة يمكن أن يُحسّن إزالة السائل النخاعي والجزيئات الكبيرة التي يحتوي عليها من الدماغ. وقد شكّلت هذه النتائج أساساً للدراسة الجديدة، التي جمعت بين أدوية خفض ضغط الدم وتحفيز الجسم عبر مستقبلات «بيزو 1» (Piezo1)، وهي قنوات حساسة تعمل بوصفها محوّلات بيولوجية، إذ تحوّل الضغط الفيزيائي أو الاحتكاك إلى إشارات كيميائية وكهربائية داخل خلايا الجسم.
ودرس الباحثون آثار هذا العلاج على 29 متطوعاً بالغاً يتمتعون بصحة جيدة، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي متعدد الأنماط، والقياسات الفيزيولوجية، والمؤشرات الحيوية المستمدة من الدماغ والموجودة في الدم. وأظهرت القياسات ارتفاع مستويات كثير من البروتينات الذائبة المشتقة من الدماغ في الدم، بما في ذلك بروتينا بيتا أميلويد 40 و42 وبروتين GFAP، إذ ارتفعت مستوياتها جميعاً في مجرى الدم بعد العلاج.
كما كشفت فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي عن تغيرات واضحة في معدلات تدفق السائل الدماغي وتركيزات البروتينات، لا سيما في المناطق المحيطة بالأوردة الدماغية الكبيرة، فضلاً عن تغيرات في محتوى السوائل.
وقالت جوهانا تونانين، الباحثة الرئيسية في الدراسة وطالبة الدكتوراه في جامعة أولو: «تشير النتائج إلى أن البروتينات الضارة ربما أُزيلت من الدماغ بكفاءة أكبر من المعتاد».
ووجد الباحثون أن الدواء الجديد، الذي يعمل على خفض ضغط الدم بصورة مؤقتة، يعزز النبضات الدماغية البطيئة التي تحرك السوائل داخل الدماغ. ويُعزى هذا التأثير إلى التوسع المؤقت في الأوعية الدموية. وفي الوقت نفسه، ينشّط الدواء قنوات «بيزو 1»، المعروفة بدورها في تنظيم وظائف الأوعية الدموية، ولا سيما عمليات الانقباض والانبساط.
وقالت تونانين: «يشبه هذا التأثير إلى حد كبير التغيرات الفسيولوجية التي نلاحظها أثناء النوم، وهو ما يجعل هذه النتيجة مثيرة للاهتمام بشكل خاص، بوصفها وسيلة لتعزيز آليات التخلص الذاتي من الفضلات في الدماغ».
ومن المعروف أن آليات التخلص من الفضلات في الدماغ تنشط أثناء النوم. فعند الخلود إلى النوم، ينخفض ضغط الدم عادةً، وتزداد قوة النبضات البطيئة للأوعية الدموية وحركات التنفس، مما يعزز تدفق السائل النخاعي عبر أنسجة الدماغ، ويساعد على إزالة الفضلات منها.
من جانبه، وصف كيفينييمي النتائج الجديدة بأنها واعدة للغاية، قائلاً: «تتمثل الخطوة التالية في دراسة الفوائد التي قد يقدمها هذا العلاج للمرضى الذين يعانون من ضعف الذاكرة في مراحله المبكرة. ونخطط حالياً لإجراء دراسات متابعة بالتعاون مع خبراء بارزين آخرين في هذا المجال».