يأتي تفضُّل حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم، القائد الأعلى ـ حفظه الله ورعاه ـ بتدشين هُوِيَّة هيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، تجسيدًا لِمَا تحظى به منظومة الدِّفاع المَدني والإسعاف والسَّلامة والحماية المَدنيَّة من عناية واهتمام ساميين، وما تُمثِّله من أولويَّة في حماية الأرواح والممتلكات وتعزيز مُقوِّمات السَّلامة العامَّة. كما يُشكِّل هذا التدشين محطَّة جديدة في مسيرة البناء والتطوير التي شهدتها الهيئة، بما تحمله الهُوِيَّة من دلالات مؤسَّسيَّة ووطنيَّة تعكس طبيعة رسالتها، واتِّساع اختصاصاتها، وتنامي دَوْرها في الاستجابة للمتغيِّرات والتحدِّيات، وتؤسِّس لمرحلةٍ تتطلب مزيدًا من المرونة في الإنجاز، والكفاءة في الأداء، والجاهزيَّة في التعامل مع مختلف الحالات الطارئة.
ولا تقف دلالات الهُوِيَّة عند حدود مظهرها البصري أو ما تعبِّر عنه من ملامح تعريفيَّة بالهيئة، بل تتجاوز ذلك إلى ما يمكن أن تُمثِّلَه من تجسيد لرسالتها الوطنيَّة، وتعزيز حضورها المُجتمعي والمؤسَّسي، وترسيخ الثِّقة في أدوارها واختصاصاتها. فالهُوِيَّة البصريَّة لهيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، تعبير عن محطَّات من التحوُّلات النوعيَّة العميقة التي شهدتها الهيئة في جوانبها التنظيميَّة والتشريعيَّة والإداريَّة والتشغيليَّة، بما يضعها أمام مسؤوليَّات مُتجدِّدة، وشراكات استراتيجيَّة أوسع، وأنظمة عمل أكثر تخصُّصيَّة ومرونة، تستجيب لطبيعة التحوُّلات المتسارعة في منظومة الدِّفاع المَدني والسَّلامة المَدنيَّة على المستويين الإقليمي والعالمي.
ومنذ صُدور المرسوم السُّلطاني السَّامي رقم (39/2021) بشأن هيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، شهدت الهيئة محطَّات تطوير مُتجدِّدة، وقدَّمت نموذجًا وطنيًّا في الكيان المؤسَّسي الناضج والنابض بالعطاء والمسؤوليَّة والمهنيَّة والاحترافيَّة والتجديد، ورفع مستوى التعاون والتنسيق جنبًا إلى جنب مع شُرطة عُمان السُّلطانيَّة، ورئاسة أركان قوَّات السُّلطان المُسلَّحة، واللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة، وغيرها من الجهات واللجان ذات العلاقة، في التعامل مع الحالات الطارئة والأنواء المناخيَّة والمنخفضات الجويَّة. وقد عكست هذه الجهود مستوى من الكفاءة والقدرة على إدارة المواقف والاستجابة لمتطلباتها، في إطار من الشراكة والمسؤوليَّة الوطنيَّة والواجب المقدَّس في حماية الإنسان وصون مقدَّرات الوطن.
ولعلَّ التحوُّل المؤسَّسي الذي شهدته الهيئة بِصُدور المرسوم السُّلطاني المشار إليه والمرسوم السُّلطاني (48/2025) بتعيين رئيس لهيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، وما أصَّله تدشين الهُوِيَّة البصريَّة للهيئة من لدن المقام السَّامي لجلالة القائد الأعلى، مرحلة فاصلة في مسيرة عمل الهيئة، تبرز فيها حجم الدَّوْر وطبيعة الممارسة القادمة، والأثر المرتقب في مسار الكفاءة والإنتاجيَّة والجودة ـ والتي بلا شك لازمت الهيئة منذ تأسيسها وفي مراحل عملها السابقة، وهي اليوم تبرز صورة جديدة للهيئة تتزايد بشأنها الطموحات الوطنيَّة والمُجتمعيَّة الناتجة عن طبيعة الدَّوْر القادم والاحتياج الوطني لها في ظلِّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والاستثماريَّة التي تشهدها سلطنة عُمان، وما أتاحه من مرحلة عميقة في دلالاتها عظيمة في مآثرها، واسعة في اختصاصاتها، تقوم على الاستقلاليَّة في العمل، وكفاءة البنية التنظيميَّة والتشريعيَّة الداخليَّة للهيئة في توجيه المسار، ومساحة أوسع لتطوير الاختصاصات وتعزيز الإمكانات، منطلقات استراتيجيَّة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدُّمًا في الأداء.
من هنا، تبرز الهُوِيَّة الجديدة للهيئة عمقًا في فلسفة العمل، وكفاءة في صناعة القرار وسرعة اتِّخاذه، واكتمال أدواته، ومرونة في الأساليب والآليَّات، وجاهزيَّة في البرامج والخطط والسياسات، فمع أنَّ الإنجاز سيظلُّ في قوَّته وجاهزيَّته، إلَّا أنَّه في ظلِّ ملامحه الجديدة سيتَّجه للنوعيَّة ويرتكز على الأثَر، ويرتبط بأبعاد التأثير والاحتواء والحدس والفراسة، بل سيتَّجه إلى تعظيم الإنتاجيَّة، وتطوير أدواته، ورفع كفاءة استثمار الموارد، وتسريع الاستجابة، وتعزيز التخصُّصيَّة والمهنيَّة في اتِّخاذ القرار. فإنَّها في الوقت نفسه مدخل لتعزيز الوعي برسالة الهيئة، وتوحيد الصورة الذهنيَّة لأدوارها، وترسيخ حضورها لدى المواطن والمقيم ومؤسَّسات المُجتمع المَدني. في ظلِّ ارتباط الهُوِيَّة بجوهر الرسالة وجودة الخدمة وسرعة الاستجابة؛ لضمانِ قدرتها على التعبير عن التحوُّل المؤسَّسي الذي تُمثِّله، وعن القِيمة المضافة التي تقدِّمها الهيئة في حماية الأرواح والممتلكات، وضمان استمراريَّة الأعمال، وتعزيز مُقوِّمات الأمن والسَّلامة في مختلف البيئات السكنيَّة والصناعيَّة والتجاريَّة والطبيعيَّة. وهي تحوُّلات تمنح الهيئة حضورًا مؤسَّسيًّا أكثر رسوخًا، وتمكّنها من أداء دَوْرها كشريك استراتيجي إلى جانب المؤسَّسات الأمنيَّة والعسكريَّة والمَدنيَّة، بما يُعزِّز تكامل الجهود الوطنيَّة في مواجهة المخاطر.
ومن هنا، فإنَّ طبيعة الاختصاصات المتنامية تفرض على الهيئة توسيع مساحات التخصُّص والتدريب وبناء القدرات الوطنيَّة، واستخدام التقنيَّات الحديثة والذَّكاء الاصطناعي في رصد وتحديد المخاطر وفَهْم الأدوات التي تحتاجها في ظلِّ حجم التعقُّد فيها وقوَّة الدقَّة التي تلازمها، خصوصًا في المجالات التي تتطلب مهارات نوعيَّة، كالإنقاذ في المناطق الجبليَّة والمسارات الوعرة والكهوف والمرتفعات، إلى جانب الإنقاذ البَرِّي والمائي والتعامل مع المواد الخطرة. كما أنَّ وجود مجلس إدارة للهيئة برئاسة معالي الفريق وزير المكتب السُّلطاني، رئيس مكتب القائد الأعلى، يوفِّر إطارًا مؤسَّسيًّا داعمًا لتوجيه الجهود، وتعزيز التكامل في التخطيط والتنظيم والتقييم ودراسة المخاطر وتطوير بيئة العمل، بما يساعد على توفير الإمكانات اللازمة، ورفع مستوى الجاهزيَّة، واستيعاب التحوُّلات المتسارعة في طبيعة المخاطر وتحدِّياتها.
وتكتسب هذه التحوُّلات أهميَّتها من اتِّساع الخدمات التي تقدِّمها الهيئة، وفي مقدِّمتها خدمات الإطفاء والإسعاف والإنقاذ. فخدمة الإطفاء تُمثِّل ركيزة أساسيَّة في حماية الأرواح والممتلكات والمنشآت، من خلال كوادر مؤهلة ومعدَّات وآليَّات متخصِّصة قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الحرائق، فيما تضطلع خدمة الإسعاف بتقديم الرعاية الطبيَّة العاجلة والحرجة للمُصابين والمرضى، والاستجابة لبلاغات الحوادث، ودعم الفِرق الميدانيَّة، ونقل الحالات إلى المؤسَّسات الصحيَّة المناسبة، بما يحفظ سلامة الإنسان ويحدُّ من تداعيات الإصابات والحوادث.
وتتكامل هذه الخدمات مع منظومة الإنقاذ البَرِّي، التي تتعامل مع حالات الاحتجاز في المَركبات والمباني والمصاعد والأماكن الضيِّقة، ومع فِرق الإنقاذ المائي التي تكتسب أهميَّة خاصَّة بالنظر إلى امتداد الشواطئ العُمانيَّة وتعدُّد الأودية والعيون المائيَّة. وقد تعاملت فِرق الإنقاذ المائي في مختلف المحافظات مع (174) حالة خلال عام (2025)، وهو مؤشِّر يُعيد التأكيد على أهميَّة الوعي المُجتمعي بإرشادات السَّلامة، وعدم الاستهانة بالمخاطر المرتبطة بارتِياد الأودية والشواطئ والمواقع المائيَّة، مهما بدت الظروف مواتية؛ وبالتَّالي ما يفرضه الرَّقم الجديد لاتِّصالات الهيئة من تخصُّصيَّة في التعامل الفوري مع القضايا والحالات والحوادث المرتبطة بعمل الهيئة.
على أنَّ ما تكشف عنه المؤشِّرات الإحصائيَّة من واقع عمل الهيئة لعام (2025) حيث بلغ إجمالي حالات خدمة الإسعاف نحو (19) ألف حالة، شكَّلت إصابات الحوادث منها (58%)، فيما مثَّلت الحالات المرضيَّة (42%). كما سجَّلت الهيئة نحو (5.6) ألف حادث حريق، بارتفاع يقارب (12%) مقارنةً بعام (2024). فإنَّ هذه الأرقام لا تعبِّر عن حجم المسؤوليَّة وعِظَم الجهد التشغيلي الذي تضطلع به الهيئة فحسب، بل تُؤكِّد أهميَّة الانتقال المتواصل من الاستجابة للحوادث إلى تعزيز الوقاية، وتحليل أسباب المخاطر، وتوجيه برامج التوعية والتدخلات الوقائيَّة وفقًا لأولويَّات الاحتياج الفعلي، وقد أسْهَمت برامج الهيئة وتدريباتها الفرضيَّة وزياراتها للمؤسَّسات التعليميَّة والعسكريَّة والمَدنيَّة في نشرِ ثقافة الإخلاء والإسعاف والتعامل مع الحرائق والغرق والمواد الخطرة وحالات الاحتجاز والانهيارات. وتظلُّ الحاجة قائمة إلى تعميق هذه الممارسات وتوسيع نطاقها، وربطها بمسؤوليَّة الفرد والمؤسَّسة في الوقاية والاستعداد، بما يقلِّل من المخاطر ويُعزِّز سرعة الاستجابة عند وقوعها.
وتبقى الإشارة إلى أنَّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والعمرانيَّة التي تشهدها سلطنة عُمان تفرض تطويرًا مستمرًّا لخدمات الدِّفاع المَدني وأنظمة السَّلامة والحماية المَدنيَّة، بما يواكب توسُّع الأنشطة الصناعيَّة والتجاريَّة والسكنيَّة، ويُعزِّز بيئة الاستثمار واستدامة الأعمال. وقد أسْهَم تحديث المعدَّات وتأهيل الكوادر وتطوير الأنظمة والإجراءات في تحسين الخدمات المقدَّمة لأصحاب الأعمال والمستثمرين، ولا سِيَّما خدمات تراخيص الحماية المَدنيَّة وتسريع إنجازها. في ظلِّ جهد مستمرٍّ تضطلع به إدارات الهيئة في المحافظات بالتعاون مع المؤسَّسات الصناعيَّة في إعداد خطط الطوارئ وتنفيذ التمارين العمليَّة، للتحقُّق من فاعليَّة الخطط وجاهزيَّة الفِرق وقدرتها على التعامل مع المخاطر. وهو توجُّه يتكامل مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء مؤسَّسات أكثر كفاءة ومرونة واستجابة لمتطلبات التنمية.
أخيرًا، فإنَّ الرعاية الكريمة من لدن المقام السَّامي لجلالة القائد الأعلى ـ حفظه الله ورعاه ـ لهيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، والتدشين السَّامي لهُوِيَّتها، والاحتفال المهيب الذي رعاه معالي الفريق أول وزير المكتب السُّلطاني، رئيس مكتب القائد الأعلى، ورئيس مجلس إدارة الهيئة، يؤسِّس لمرحلة جديدة في مَسيرة عمل الهيئة، ويستحضر ما تحقَّق من إنجازات وممارسات رياديَّة مبتكرة في تطوير هذه المنظومة. كما يفتح المجال أمام تعميق التحوُّلات المؤسَّسيَّة والرَّقميَّة والجهوزيَّة المؤسَّسيَّة، وتعزيز الشراكات، ورفع كفاءة الأداء، وتطوير القدرات البشريَّة والتقنيَّة، بما يتناسب مع طبيعة الاختصاصات واتِّساع المسؤوليَّات. وبقدر ما تتعزَّز جاهزيَّة الهيئة وكفاءتها وتتَّسع شراكاتها، تتعزَّز قدرة سلطنة عُمان على حماية الإنسان والممتلكات، وترسيخ بيئة آمِنة ومستقرَّة، تظلُّ فيها سلامة المواطن والمقيم وصون حياته، مسؤوليَّة أخلاقيَّة وأولويَّة وطنيَّة.