تمثل الجهود التي تبذلها سلطنة عُمان لتطوير الصناعات الدوائية خطوة استراتيجية مهمة نحو تعزيز منظومة الأمن الصحي والدوائي، وبناء قدرات وطنية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية ومواجهة التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية. فقد أكدت التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية أهمية امتلاك الدول قاعدة صناعية متقدمة في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصناعات الدوائية التي ترتبط بصورة مباشرة بصحة الإنسان وسلامة المجتمع واستقرار الخدمات الصحية. ومن هنا تكتسب المشروعات التي تنفذها سلطنة عُمان لإنتاج المواد الخام والمكونات الفعالة للمضادات الحيوية أهمية خاصة؛ لما تمثله من توجه نحو تقليل الاعتماد على المصادر الخارجية في توفير المدخلات الأساسية لصناعة الدواء، وتعزيز القدرة على تأمين الإمدادات الطبية في مختلف الظروف، بما يدعم جاهزية القطاع الصحي، ويرسخ مقومات الأمن الدوائي باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للتنمية المستدامة.
ويأتي تطوير الصناعات الدوائية في إطار التوجه الوطني نحو تعميق التصنيع المحلي والانتقال إلى صناعات أكثر تقدمًا وقيمة مضافة، حيث تقدم المشروعات الصناعية الثلاثة في ولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة، والمتمثلة في شركة الوجر للصناعات الدوائية، وشركة صناعة الأدوية (DMC)، وشركة البنسلين للصناعات المتكاملة (Pen-G)، نموذجًا واعدًا لتكامل الأنشطة المرتبطة بمراحل إنتاج الدواء، بدءًا من تصنيع الحبيبات الدوائية المتقدمة وصولًا إلى إنتاج المكونات الفعالة والمواد الخام الأساسية للمضادات الحيوية، وتنبع أهمية ذلك التكامل من قدرته على توسيع القاعدة الصناعية الوطنية وتعزيز الترابط بين الأنشطة الإنتاجية، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات المتخصصة في الصناعات الدوائية، فضلًا عن الاستفادة من البنية الأساسية والمقومات اللوجستية التي تتمتع بها محافظة شمال الباطنة، بما يسهم في بناء منظومة صناعية متطورة تتوافق مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني ورفع مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي.
ولعل الأهمية الاقتصادية لتلك المشروعات تتجلى في الفرص التي تتيحها لتوسيع حضور المنتجات العُمانية في الأسواق الدولية، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتعزيز قدرة السلطنة على المشاركة في سلاسل القيمة والإمداد العالمية، حيث تقدم تجربة شركة الوجر للصناعات الدوائية، التي نجحت منذ بدء عملياتها عام (2018) في تطوير أكثر من (18) منتجًا تخصصيًّا، وتصدير كامل إنتاجها إلى أسواق في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، نموذجًا عمليًّا للإمكانات التنافسية التي تمتلكها الصناعة الوطنية، وما يمكن أن تحققه من حضور في الأسواق الخارجية عندما تستند إلى الجودة والتخصص والمعايير الصناعية المتقدمة. كما تفتح المشروعات الأخرى آفاقًا جديدة لاستقطاب الاستثمارات النوعية وتوسيع الشراكات مع الشركات الدوائية العالمية، والاستفادة من الطلب المتنامي على المكونات الفعالة والمواد الخام، بما يعزز مكانة سلطنة عُمان في الصناعات المتقدمة، ويدعم جهود التنويع الاقتصادي من خلال أنشطة إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
إن ترسيخ صناعة دوائية وطنية قادرة على النمو والمنافسة يتطلب مواصلة الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والبحث العلمي، وتطوير الشراكات بين المؤسسات الصناعية والجامعات ومراكز البحوث والجهات الصحية، بما يسهم في نقل التقنيات المتقدمة وتوطين الخبرات وتأهيل الكفاءات الوطنية للعمل في التخصصات العلمية والفنية الدقيقة، فالصناعات الدوائية من القطاعات التي ترتبط قدرتها على الاستدامة بمواكبة التطورات العلمية والالتزام بمعايير الجودة والابتكار المستمر، وهو ما يستدعي بناء بيئة متكاملة تدعم البحث والتطوير وتربط مخرجات التعليم باحتياجات الصناعة، وتوفر فرصًا أوسع أمام الكوادر العُمانية للمشاركة في مختلف مراحل الإنتاج والتطوير، ومن شأن المضي قدمًا في هذا التوجه أن يعزز قدرة السلطنة على بناء قطاع دوائي متقدم يجمع بين متطلبات الأمن الصحي وأهداف التنمية الاقتصادية، ويدعم تطلعاتها إلى ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًّا ودوليًّا موثوقًا في صناعة الدواء، بما يحقق قيمة مستدامة للاقتصاد الوطني والمجتمع.