هناك أفكار تبدأ كمقترح، ثم تحتاج إلى سنوات حتى تجد طريقها إلى التنفيذ أو تتخذ شكلًا أكثر اتساعًا وتطورًا، ومن هذا المنطلق، أجد من المهم توثيق جانب من تجربتي الشخصية مع فكرة إنشاء حديقة متخصصة للنباتات الوطنية في محافظة ظفار، ليس بهدف الادعاء بملكية فكرة أو نسب مشروع إلى شخص، وإنما من باب توثيق تسلسل زمني لفكرة طرحتها رسميًا قبل نحو أربع سنوات من الإعلان عن مشروع "حديقة الذاكرة النباتية" في سهل رزات.
ففي عام 2022 تقدمت بطلب يتعلق بإنشاء حديقة للنباتات الوطنية في محافظة ظفار، على أن تكون ذات طبيعة علمية، وطرحت في الطلب رؤيتي بأن تكون الحديقة مكانًا لحفظ النباتات المحلية وتعريف المجتمع بها، وصون الأنواع الوطنية، وإيجاد مرجع للنباتات البرية في المحافظة، بما يخدم الباحثين والجامعات والطلبة والزوار.
وقدمت الطلب آنذاك إلى معالي الدكتور حمد بن سعيد العوفي، رئيس المكتب الخاص في ذلك الوقت، وقد لقي الطلب اهتمامًا، وتحول الطلب إلى معالي السيد محمد بن سلطان البوسعيدي، وزير الدولة ومحافظ ظفار السابق، وحظي باهتمام معاليه، ووجه معاليه سعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار آنذاك، لمقابلتي ومناقشة حيثيات الطلب، وقد تمت بالفعل مناقشة الموضوع معي.
وهذه الوقائع أوردها هنا بوصفها جزءًا من تجربتي الشخصية وتسلسل الإجراءات التي مر بها الطلب الذي تقدمت به، وليس باعتبارها دليلًا على أن المشروع الذي ظهر لاحقًا هو نتيجة مباشرة لذلك الطلب.
وبعد مرور نحو أربع سنوات، وفي عام 2026، قرأت عن مشروع يحمل اسم "حديقة الذاكرة النباتية، سهل رزات" في محافظة ظفار، وهو مشروع يختلف في مسماه وتفاصيله عن الطلب الذي تقدمت به عام 2022، لكنه يلتقي معه في محور أساسي يتمثل في الاهتمام بالنباتات المحلية وحفظها وصون التنوع النباتي في ظفار.
ومن المهم هنا التفريق بين تشابه الفكرة العامة وبين إثبات العلاقة بين المقترحين، فوجود تشابه بين ما طُرح عام 2022 وما أعلن عنه عام 2026 لا يعني بالضرورة أن أحدهما نتج عن الآخر، ولا أملك وثيقة رسمية تثبت أن المشروع الحالي امتداد مباشر للطلب السابق، ولذلك لا أطرح هذا المقال لإثبات أسبقية أو المطالبة بنسبة المشروع، وإنما لتسجيل واقعة في مسيرتي البحثية، وهي أن فكرة إنشاء حديقة متخصصة للنباتات الوطنية في ظفار كانت من بين الأفكار التي تقدمت بها رسميًا قبل الإعلان الحالي بسنوات.
والأهم بالنسبة لي ليس اسم المشروع ولا الجهة التي تقف وراءه، وإنما المضمون العلمي الذي يمكن أن يحمله.
فقد تطورت رؤيتي خلال السنوات الماضية من مجرد فكرة إنشاء حديقة للنباتات الوطنية إلى تصور أوسع لضرورة وجود مؤسسة تحفظ الذاكرة النباتية لظفار، بما تشمله من نباتات نادرة ومتوطنة ومهددة، ومعلومات علمية عن مواقعها وبيئاتها وتوزيعها وأسمائها وطرق إكثارها، بحيث لا تكون الحديقة مجرد مساحة لزراعة النباتات، وإنما مكانًا لحفظ المعرفة المرتبطة بها أيضًا.
ومن هنا يأتي الاهتمام بمشروع "حديقة الذاكرة النباتية"، واعتبار أن أهم ما يمكن مناقشته اليوم ليس من طرح الفكرة أولًا، وإنما كيف يمكن أن يتحول هذا المشروع إلى مؤسسة علمية حقيقية تحفظ نباتات ظفار وذاكرتها للأجيال القادمة.
حديقة الذاكرة النباتية.. مشروع علمي قبل أن يكون حديقة
عندما قرأت تفاصيل مشروع حديقة الذاكرة النباتية، سهل رزات، وجدت أن المشروع لا يتحدث عن حديقة عامة تقليدية هدفها التشجير والتجميل وإيجاد مساحات خضراء للزوار، وإنما عن مشروع مختلف في طبيعته وأهدافه، تبلغ مساحته نحو 1.5 مليون متر مربع، وتبلغ كلفته الاستثمارية المعلنة نحو 4 ملايين ريال عُماني، ويستهدف صون الموارد الوراثية النباتية الفريدة في ظفار وحمايتها من الاندثار، من خلال مشتل مركزي، وبنك بذور علمي، ومختبرات متخصصة، إلى جانب البحث العلمي والتعليم والسياحة البيئية.
والحديقة النباتية بالمعنى العلمي ليست مجرد أرض واسعة تزرع فيها الأشجار والنباتات، وليست امتدادًا لحدائق التجميل والتشجير الحضري، فالحديقة النباتية الحديثة تقوم على مجموعات نباتية حية موثقة علميًا، يكون لكل نبات فيها سجل ومصدر وأصل جغرافي ومعلومات مرتبطة به، وتكون هذه المجموعات أساسًا للبحث العلمي والحفظ والتعليم والتبادل العلمي، وهذا هو المفهوم الذي تعتمده المنظمة الدولية لحفظ الحدائق النباتية (BGCI).
ومن هنا تأتي أهمية الجهة التي تتولى الجانب العلمي من هذا المشروع.
لا أقول ذلك تقليلًا من الدور الكبير الذي تقوم به بلدية ظفار، فهي جهة لها اختصاصات واضحة وواسعة في إدارة المدن والخدمات البلدية.
** كاتب وباحث في توصيف النباتات البرية