تخطّي إلى المحتوى
الخميس، 29 أكتوبر 2026
عاجل
شاومي توسّع توافر سوار Smart Band 11 في أوروبا بخيار NFC وبطارية تدوم 21 يوماً إعفاء أنتونيلي من واجباته الإعلامية بسبب وعكة صحية قبل سباق المكسيك افتتاح أول مركز للتعافي في حمص بدعم دولي استراتيجيات مدعومة علمياً لتمديد عمر بطارية الحاسوب المحمول في 2026 أدلة على أكل لحوم البشر في كهوف جنوب إسبانيا خلال العصر الحجري الحديث تقرير: 7 من 16 مؤشرا مناخيا للأرض تسجل مستويات قياسية دراسة: جراحات السمنة تتفوق على الأدوية في تحقيق تراجع مستدام لسكري النوع الثاني الأهلي يهزم مودرن سبورت بهدف الساعي في الدوري 11 استخدامات بديلة لمنظف الزجاج داخل المنزل تدشين "ملتقى التوعية والتدريب" ضمن فعاليات مؤتمر ومعرض الحج السادس شاومي توسّع توافر سوار Smart Band 11 في أوروبا بخيار NFC وبطارية تدوم 21 يوماً إعفاء أنتونيلي من واجباته الإعلامية بسبب وعكة صحية قبل سباق المكسيك افتتاح أول مركز للتعافي في حمص بدعم دولي استراتيجيات مدعومة علمياً لتمديد عمر بطارية الحاسوب المحمول في 2026 أدلة على أكل لحوم البشر في كهوف جنوب إسبانيا خلال العصر الحجري الحديث تقرير: 7 من 16 مؤشرا مناخيا للأرض تسجل مستويات قياسية دراسة: جراحات السمنة تتفوق على الأدوية في تحقيق تراجع مستدام لسكري النوع الثاني الأهلي يهزم مودرن سبورت بهدف الساعي في الدوري 11 استخدامات بديلة لمنظف الزجاج داخل المنزل تدشين "ملتقى التوعية والتدريب" ضمن فعاليات مؤتمر ومعرض الحج السادس

جماليات الأزمة: ما المشكلة مع «الدونكيشوتية»؟

 تعتبر جملة «يقاتل طواحين الهواء» أحد أشهر التعبيرات العاميّة المقتبسة عن أصل أدبي حول العالم، وهي تشير إلى التفكير الواهم، الذي يخترع أعداءً مُتخيّلين، ويهلوس بوقائع غير موجودة، فيرى العمالقة والمسوخ في الأشياء الاعتيادية و»الطبيعية». والأصل طبعاً رواية «النبيل البارع دون كيخوته...

29 أكتوبر 2026 13 د للقراءة 7
جماليات الأزمة: ما المشكلة مع «الدونكيشوتية»؟

تعتبر جملة «يقاتل طواحين الهواء» أحد أشهر التعبيرات العاميّة المقتبسة عن أصل أدبي حول العالم، وهي تشير إلى التفكير الواهم، الذي يخترع أعداءً مُتخيّلين، ويهلوس بوقائع غير موجودة، فيرى العمالقة والمسوخ في الأشياء الاعتيادية و»الطبيعية». والأصل طبعاً رواية «النبيل البارع دون كيخوته دي لامانتشا» لثيربانتس، التي نُشرت على جزئين في مطلع القرن السابع عشر، وهي من النصوص الروائية التأسيسية في الآداب الحديثة. وبالطبع ليست الشخصية أو الرواية بهذه البساطة، فقد كُتبت عنها في الفلسفة والنقد الأدبي وعلم الجمال مجلدات كثيرة، وناقشها فلاسفة من وزن فريدريش شيلنغ وجورج لوكاش. وموضوع «طواحين الهواء» هذا، وعلاقته بـ»الواقع»، أعقد كثيراً من التبسيط الأيديولوجي الدارج. مبدئياً، يحسن الانطلاق من فكرة لوكاش في «نظرية الرواية» حول ما تمثله شخصية دون كيخوته من انتقال تاريخي، من نمط الملحمة القديمة إلى نمط الرواية الحديثة: في الملاحم، وأغلبها كان شعرياً، ينتمي البطل إلى عالم وجماعة وإطار رمزي، يتحد معهم بشكل شبه كامل، ولا تتمايز قيمه ورؤيته للعالم عن قيمهم بشكل واضح، من دون أن يعني هذا مطلقاً انعدام الصراع، ففي كثير من الأحيان يتجاور البشر والآلهة والعناصر الطبيعية في إطار موحّد، وتندلع صراعاتهم على الأرضية نفسها، وصولاً إلى الذروة، التي تعيد تنظيم المعرفة العامة المشتركة، والقيم الأساسية، والأساطير المؤسسة للجماعة؛ أما دون كيخوته فكان النص النثري الأبرز، الذي يشير إلى انفصام وتصدّع هذه الوحدة، إلى الأبد ربما، فهو فرد وحيد، يبدو منفصلاً عن عالمه، ولا يتعرّف على نفسه فيه، ويجد أن قيمه تتعارض مع السائد، ما يجعله مشوَّشاً، ضمن التناقض بين أفكاره غير القابلة للتحقق، والممارسات والمواضيع التي يصطدم فيها في تجاربه ورحلاته. لا توجد هنا آلهة متجسدة، أو جماعة فرسان، أو اتفاق على التسميات والتوصيفات والمفاهيم، وإنما ثنائية ذات في مقابل العالم، وهذا التناقض قُدِّم بصورة هزلية وتراجيدية في الوقت نفسه، ولم يحسم المسألة، إذ لم ينتصر لـ»الواقع» على حساب «الذات»، ولم يهدف إلى جعل البطل مجرد أضحوكة، إلا في أكثر القراءات رداءة. هذا الانفصام، هو أحد السمات الأساسية للذاتية الحديثة، والذي كان المتن الروائي هو أفضل ما عبّر عنها، بل وتطوّر مع تطورها، إذ لم تعد هنالك مجتمعات قادرة على تثبيت المعنى، وربطه بالمتعالي الديني أو السرد الأسطوري، وتبرير الأدوار والهرميات الاجتماعية على أساسه، وإنما تعددت المواقع الاجتماعية، بما تملكه من منظورات ورؤى عن العالم، ومصالح متعارضة، ورغبات لا يمكن ضبطها وتطويعها ببساطة. ودون كيخوته حالة من حالات هذا الانفصام، ولكن ليس كلها، وليس «الواهم» الوحيد، فهو كان يملك كتباً عتيقة عن أخلاق الفرسان، حاول أن يطبقها على عالمه، عله يستعيد بعض المعنى، ولكن من دون جدوى، فيما امتلك غيره كتباً أخرى، وتصورات مغايرة عن الأخلاق والمجتمع والسياسية، وأرادوا فرضها أيضاً، مساهمين في بناء مستويات متعددة ومركبة للواقع الاجتماعي، الذي قد يمكن تعريفه هنا بوصفه تركيباً بين أنواع متعددة من «طواحين الهواء»، يستهدفها كل طرف على طريقته.

ضمن هذا المعنى، فلم يكن العمالقة الذين رآهم النبيل الإسباني في طواحين الهواء مجرّد وهم فارغ، بل تأويلٌ ذاتيٌ للظواهر، يستند إلى تقليد وتراث خطابي معيّن، وفي الزمن نفسه كان البشر يتصارعون على تأويلات أخرى، ويؤصِّلون أنفسهم في نصوص وتقاليد فكرية متعددة، فالأوهام نفسها لها وجود اجتماعي حقيقي، لأنها تؤثر في سلوك الناس والمؤسسات، حتى لو لم يكن موضوعها موجوداً بالطريقة التي يتخيلونها. وكانت حرب الثلاثين عاماً، التي ستندلع في القرن نفسه، نموذجاً عن الانفصام الذي يصعب رأبه بين المواقع والتأويلات والمصالح، لتنقسم الكنائس والأقاليم والممالك، وتغرق في حرب وحشية، وصراعات طائفية لا تنتهي، وأثناء ذلك اضُطهد وأحرق آلاف النساء والرجال، الذين اعتبرهم جلادوهم ضحايا لأوهام شيطانية، تهدد استقرار «الواقع». ولم يهدأ هذا الصراع بشكل نسبي إلا مع إقرار حرية المعتقد والضمير، أي الاعتراف بالحد الأدنى من تعددية المنظورات والتصورات عن الوجود و»الواقع»، ولكنّ هذا لم يحل الأزمة بشكل كامل، وتلك الأزمة عامل أساسي في تاريخ الأفكار الحديثة. لم تعد الأدبيات اللاحقة تميل إلى إنتاج «ملحمة مقلوبة» إن صح التعبير، على نمط دون كيخوته، ولكن نمط البطل الذي يبدو أنه يحدّق في الحياة، وحيداً من وراء نافذة غير صافية تماماً، ويشعر باضطراب كبير، استمر طويلاً، وبذلك فإن دون كيخوته قد يكون «شخصية العصور الحديثة» بكل معنى الكلمة. في كل الأحوال، يجب التركيز على مفهوم «الأزمة» أكثر، لفهم كل «طواحين الهواء» هذه، والتساؤل حول «الواقع»، وهل تتساوى كل المنظورات عن «الطواحين»، من حيث القيمة والأهميّة والصواب؟

تاريخ الأزمة بالنسبة لمؤرخ المفاهيم الألماني راينهارت كوزيلك (1923-2006) فإن «الأزمة» إمكانية كامنة في خلفية الشرط الحديث نفسه، وقد تغير مفهومها عبر العصور، ليصبح جزءاً من الوعي التاريخي المعاصر، إذ لم يعد الناس يرونها ملازمة لحالة أو نظام معيّن، أو لحظة حاسمة تتطلّب قراراً مناسباً، وإنما يتساءلون دائماً إن كان عصرهم بأكمله يمرّ بأزمة، تنهي العالم القديم بأكمله، وتنبئ بعالم جديد غامض المعالم. ومنذ القرن الثامن عشر صار مفهوم «الأزمة» الموسّع هذا ملازماً للنقاشات العامة، فقد اتسعت المسافة بين «فضاء التجربة»، أي الماضي والتقليد، كما يكون حاضراً في وعينا، ويشكّل فهمنا للعالم وانتظاماته وقواعده، وبين «أفق التوقّع»، أي المستقبل كما نتخيله في حاضرنا، ونسعى إليه، أو نسعى لتجنّبه، بما يشمله من آمال ومخاوف واحتمالات. في العصور السالفة كان «أفق توقع» البشر للمستقبل هو تكرار الحاضر وإعادة إنتاجه، باعتباره قائماً على تراتبيات وأوضاع تطبّع نفسها، وفقاً لنظام كوني/إلهي، وأكبر تغيير يمكن تخيّله هو نهاية العالم نفسه، في يوم دينونة، يأتي بأمر إلهي مباشر، أما في العصور الحديثة فقد تزعزعت العلاقة بين ما تتيحه التجربة التاريخية من خبرات، والتوقّع المستقبلي، فصار المستقبل موضع نزاع وعدم يقين، ولم يعد يمكن إسناده إلى رؤية متماسكة ومتفق عليها للعالم، إذ تتكاثر الرؤى، ويحاول كل طرف أن يجد حلولاً لهذه الأزمة على طريقته، ويمكن القول إن التعاطي مع «الأزمة» هو محرك أساسي لمعظم المشاريع السياسية والثقافية في العصر الحديث. دون كيخوته كان الفارس الأول الذي عاش «الأزمة»، فهو استند إلى فضاء من التجربة، مقبل من قصص النبلاء والفرسان، وقيمهم، وكان أفق توقعاته على الطراز القديم، أي أن هذه القيم يمكن ويجب أن تكرر نفسها في المستقبل، ولكنه اكتشف أن العالم لا يعمل هكذا، واتسعت أزمته تدريجياً، لتصبح أكثر من حكاية هزلية عن رجل عجوز مجنون، وإنما المتن الروائي الأول للعصر الحديث، وأزمته. ما أثار إعجاب بعض الفلاسفة المثاليين والرومانسيين، بل حتى بعض المفكرين والنقّاد اليساريين المعاصرين بدون كيخوته، أنه لم يكن مجرد شخص متمسّك بقيمه، ومستعد للقتال لأجلها، وإنما أنه احتفظ بمسافة بين ما يفترض أنه «واقعي» وبين «الحقيقي»، فما يُقدّم على أنه الواقع، الذي لا رادّ له، ولا أبعاد أخرى له، ولا يمكن تجاوزه، قد لا يكون إلا نمطاً من الخداع والاحتيال، أو وهماً يُصلِّب خرافاته، ويحولها إلى عوامل للقمع والاستغلال. وبالفعل، ألم يستند العنصريون تاريخياً على سبيل المثال إلى «واقع التفوّق العرقي»، الذي اعتبروه علماً وحقيقة تاريخية؟ لقد كان ذلك «العلم» طاحونة هواء تدّعي أنها تقوم بعملها بشكل موضوعي، فيما كانت فعلاً تخفي عملاقاً ومسخاً قتل واستعبد ملايين البشر، وكان لا بد من وجود أمثال دون كيخوته ليواجهوا هذا «الواقع». وقد صاغ الفيلسوف الألماني هيربرت ماركوزه هذا بعبارته الشهيرة، المخصصة لنقد المجتمعات الحديثة «ذات البعد الواحد»: «ما هو واقعي لا يمكن أن يكون حقيقياً».

يستحق الجانب النقدي هنا وقفة أطول، وإعطاء مثال أكثر وضوحاً، فعندما تحدّث كارل ماركس عن «فتشيّة السلعة»، وإخفائها للعلاقات الاجتماعية، والعمل المولّد لقيمتها، في نقده للاقتصاد السياسي «الواقعي» الدارج في عصره، كان يرى بالفعل في السلعة، والاقتصاد الرأسمالي، ما يشبه طاحونة هواء تخفي في داخلها عملاقاً، لا بد من مهاجمته. هل يجعله هذا «دونكيشوتياً»؟ على الأغلب نعم، ولكن بأكثر المعاني إيجابيةً لـ»الدونكيشوتية»، إذ لا يمكنك أن تصل إلى «الواقع»، إلا عبر عمليات نقد وإعادة بناء تتجاوز السطح الأيديولوجي، والمظاهر التي يقدّمها بوصفها أوثاناً تفسّر نفسها بنفسها، وتستملك البشر الذين ينتجونها، بدلاً من أن يستملكوها هم. وهذا النقد وإعادة البناء يجب أن يكون قادراً على اختبار طروحاته وإثباتها، ولديه القدرة على تعديلها وإعادة التفكير بها دوماً، لكيلا تتكرر مأساة دون كيخوته. يمكن تعريف «الدونكيشوتية» إذن على ضوء آخر، وفقاً لمفهوم «الأزمة»: أفق توقّع للمستقبل، يشكك جذرياً بفضاء التجربة القائم، ويسعى لتجاوزه نحو الحقيقي والأفضل. وهو أفق ملازم لكثير من أنماط التفكير النقدي، والتصورات السياسية اليوتوبية، والحركات الاجتماعية المناهضة للوضع القائم. وبعبارة أخرى لا يمكن تصوّر تفكير يساري أو تنويري أو تحرري، من دون قدر من «الدونكيشوتية»، وفي العالم اللاتيني عموماً تُقدّر شخصية دون كيخوته بشكل كبير، وكثيراً ما يعتبر رمزاً من رموز التحرر، ومواجهة الظلم والاستغلال. ولكن يبقى السؤال عن معيار «الدونكيشوتية»، فقد يوجد كثير من الأفراد والمجموعات، التي تظن نفسها صاحبة القيم الحقيقية، التي يجب فرضها على الواقع، وفضاء التجربة القائم، للوصول إلى مستقبل خلاصي، ونتائج هذا كانت مأساوية غالباً، بل كثيراً ما أدت إلى كوارث وفظائع دموية مروّعة، ولعل هذا أيضاً جانب أساسي من «الأزمة» الحديثة، وأحد أشد مخاطرها، والذي أنتج كثيراً من الحركات الراديكالية العنيفة، والأصولية، والفاشية (وكلها حركات قامت على أسس حديثة مهما مجّدت الماضي). ما الذي يحدث عندما تصطدم «الحقيقة»، كما تحددها ذات سياسية معيّنة، بـ»الواقع»، الذي يظهر مسوخاً تقوم بأسوأ الممارسات؟ أو بعبارة أخرى: ما الذي قد يجعلك «دونكيشوتياً» جيداً؟

النقد والجميل قد يمكن القول إن دون كيخوته، في بيئته الروائية، لم يكن إلا ظاهرة نقديّة، فهو بحد ذاته لم يكن صاحب قوة قادرة على تغيير العالم بشكل مباشر، ولم يقد بنفسه تمرّداً، بل كان دائماً على التخوم بين تصوراته والوقائع المحيطة به، يعيش تناقضات كاشفة لطبيعة وحدود العالم الاجتماعي والثقافي في عصره، ولذلك فليس هو المثال الأفضل عن الشخصية التي تفرض حقيقتها بالعنف. وبالمقارنة مع شخصيات روائية أخرى، يبدو بالغ الرقي والوداعة. من أمثلة الشخصيات المتطرفة لحقيقتها مايكل كولهاس، بطل الرواية الصادرة عام 1810، والتي تحمل اسمه، للأديب الألماني هاينرش فون كلايست. وهي مستندة إلى حادثة حقيقية، لتاجر خيول عاش في القرن السادس عشر، وتعرّض لظلم من أحد النبلاء، الذي احتجز خيوله واعتدى على خادمه. وقد حاول كولهاس أخذ حقه بالقانون من دون جدوى، بل توفيت زوجته خلال محاولتها إيصال قضيته إلى أصحاب السلطة، فما كان منه إلا أن قاد تمرداً بالغ العنف، وأصدر مراسيمه وقوانينه الخاصة باسم العدالة والحقيقة، وفرض سيادته حيث وصلت قواته. وعندما توسّع التمرد وبات مهدداً للسلطة القائمة، حدثت تسوية غريبة: أعيد الاعتبار لكولهاس، وتم الاعتراف بمظلمته، وفي الوقت نفسه حُكم عليه بالإعدام بسبب تمرده. عكست رواية «مايكل كولهاس» أسئلة فلسفية مهمة في زمنها، حول حدود القدرة الذاتية على الحكم، في مسائل الحقيقة والأخلاق والسياسة: هل كان على كولهاس أن يموت فعلاً لأنه تمرّد، رغم الاعتراف بمظلمته؟ وفي المقابل: هل يحق لكل من يشعر بأن حقيقة العالم اختلّت أن يعيد فرض الحقيقة بنفسه؟ في فلسفة التنوير دعا كانط إلى الجرأة في استخدام العقل، ضمن ثلاث قواعد: الأولى أن لا تدع أحداً يفكّر عنك، بل استخدم عقلك للوصول إلى الحكم السليم؛ والثانية أن لا تفكّر وكأنك وحيدٌ في العالم، بل فَكِّر كيف يفكّر الآخرون، وما المنطلقات والدوافع التي ينطلقون منها، وصولاً إلى الفهم، وليس بالضرورة التفهّم؛ والثالثة الاتساق، أي لا تكن متناقضاً منطقياً أو أخلاقياً في تفكيرك. وهذه القواعد الثلاث فتحت آفاقاً للنقد والتعددية في الوقت نفسه، إذ يستطيع الإنسان تحديد طبيعة وحدود ظواهر عالمه، وكذلك حدود تفكيره الخاص، ويجد مساحة بين الذوات للتواصل مع الآخرين، والجدل معهم، على أسس الاعتراف المتبادل، إلا أن هذه القواعد التأسيسية في الليبرالية، كانت تصطدم دوماً بظاهرة افتراق العوالم، ففي أحيان كثيرة لا تعود هنالك أرضية مشتركة للحوار والاعتراف المتبادل، نظراً لأن كل طرف يمتلك توصيفاً للعالم، وأفق توقعات للمستقبل، يختلف ويتناقض بشكل جذري عن الطرف الآخر، ما قد يؤدي إلى صدام عنيف. في حالة كولهاس كان إعدامه ضرورة من منظور ليبرالي محافظ، رغم الاعتراف بعدالة قضيته، فهذا يعيد إنتاج الأرضية المشتركة: القانون نفسه قد لا ينصفك دائماً، ولكن التمرّد عليه، حتى لو كان محقاً، تهديد لاستمرار العالم القائم، ومفاهيمه وقيمه وشرعيته، وتعدد الفاعلين فيه، ولذلك يقتلك القانون نفسه الذي يعترف بعدالة قضيتك. وهو «حل» لا يبدو إلا تكريساً للأزمة، وأحد التناقضات التأسيسية في الليبرالية السياسية.

قد يمكن، على هذا الأساس، العودة إلى «الدونكيشوتية» بوصفها مبدأً نقدياً يدرك حدوده، وأساطيره، وتناقضاته، كما يدرك حدود وأساطير وتناقضات الآخرين، وبالتالي يمنع طغيان أي عمالقة في «طواحين الهواء»، أي تشكّل أيديولوجيات قمعية وشمولية، باسم الواقعية أو الموضوعية أو العلم أو أي «عملاق» آخر، وإن كان هذا لوحده لا يجيب عن سؤال ضرورة التغيير، عندما تطغى العمالقة لدرجة تمنع استمرار الحياة، وقد يهدد بنوع من تمزيق القدرة المشتركة على الفعل، لمصلحة اعتراف بارد بالمنظورات الذاتية للآخرين، وهو ما وقعت به «النظرية النقدية» نفسها في مرحلتها المتأخرة. قد يمكن إيجاد نوع من الحل لهذه المعضلة لدى كانط نفسه، في تنظيره للحكم الجمالي، فهو يقول بذاتية الحكم الجمالي من جهة، أي أننا نحدد ما هو جميل وفقاً لذوقنا وإحساسنا الخاص؛ ولكن في الوقت نفسه يتمتع الحكم الجمالي بصلاحية تتجاوز الذات، إذ أن من يقول: «هذا جميل»، يتوقّع أن يوافقه الآخرون الرأي، ويعتقد أن هنالك سبباً موضوعياً يجعلهم يتذوقون الجمال نفسه. ما يمنح الحكم الجمالي هذه «الصلاحية الكليّة الذاتية»، حسب تعبير كانط، هو قيامه على ثلاثة عوامل: الأول «اللاغرضية»، فالاستمتاع الجمالي يكون خالصاً حين لا يتوقف على رغبتنا بامتلاك الشيء أو احتكاره، أو كونه أداةً لتحقيق مصلحة ضيقة؛ والثاني التفاعل بين المخيّلة والفهم، فعندما نرى الجميل نشعر بأنه «ملائم» و»صالح»، بدون أن نخضع لمفهوم محدد وثابت، يفرض علينا نتيجة بعينها؛ والثالث هو «الحس المشترك»، إذ يفترض الحكم الجمالي أن للبشر ملكات مشتركة، وقابلية للشعور بالجمال، ما يتيح التواصل مع الآخرين، ولذلك نكتب ونرسم ونعزف الموسيقى، وهذا «الحس المشترك» لا يتطابق بالضرورة مع ما هو منتشر بين الناس بالفعل من مواد فنية وثقافية، فهذه قد تنتشر لأسباب مغايرة لـ»الحكم الجمالي» نفسه، مثل التسويق والإعلام. وبذلك فقد يكون التأكيد على الذوق والمخيلة ورفض النزعة التملّكية والأداتية، ومواجهة الرثاثة والجماليات الكيتشية، منطلقاً لبناء حس مشترك جديد بين البشر، على اختلافهم، ووسط كل هذه «الأزمة»، إذ من غير الممكن القبول بالقبح والابتذال القائم، والذي يشمل الحروب الإبادية، والإفقار والتجويع، والسياسيين الشعبويين، والتطرف الديني، وإعادة تعويم الإرهابيين، والناشطية بهوياتها وجمالياتها المبتذلة. بالطبع لا يوجد «حس مشترك» جمالي يمكن أن يقنع كل البشر، ولكن قد ينتج متخيّلاً جماعياً للطبقة الأكثر تضرراً من القبح السائد، يساعدها على التعرّف على ذاتها المشتركة. القدرة على النقد، وتأسيس الذات عبر الحس المشترك، قد يكون أحد الطرق التنويرية الممكنة للتعامل مع «الأزمة»، فالنقد قد يمنعنا من التسليم بـ»الواقع» القائم، ويتيح لنا كشف تناقضاته و»طواحين الهواء» فيه؛ والحس المشترك يتيح التفكير في إعادة بناء ذات جماعية مناهضة للاستغلال. وهو حل نظري فقط، ولكن أحد أسباب القبح السائد هو الاستهزاء بكل ما هو نظري، ربما نحتاج أولاً تنظيراً جيداً لكي لا نعود إلى تكرار الهراء «العملي» و»الواقعي» نفسه. ومجدداً، نحتاج إلى قدر من «الدونكيشوتية» في كل هذا، وعلينا أن نتذكر أن دون كيخوته لم يعش لقرون، في مخيّلة بشر من ثقافات متعددة، لأنه كان مثيراً للسخرية والشفقة، بل لأنه كان جميلاً فعلاً. كاتب سوري

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
التغطية الأصلية الكاملة لدى alquds.co.uk - feed زيارة المصدر
التبرع بالأعضاء في المغرب: حملة لإنقاذ الأرواح ومواجهة نقص المتبرعين أسلوب حياة

التبرع بالأعضاء في المغرب: حملة لإنقاذ الأرواح ومواجهة نقص المتبرعين

الرباط – «القدس العربي»: أطلقت هيئات مدنية ومؤسسات رسمية في المغرب حملة جديدة للتوعية بأهمية التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية، سعيًا لتدارك ضعف الوعي المجتمعي في هذا المجال الإنساني، وسط تجاذبات بين معتقد حرمة الجسد وسطوة العادات والتقاليد. ويشمل برنامج هذه المبادرة التي تن...

منذ 3 ساعات
هل كل وقت يقضيه الأطفال أمام الشاشات ضار؟ أسلوب حياة

هل كل وقت يقضيه الأطفال أمام الشاشات ضار؟

أوضحت دراسة حديثة، أن تأثير الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشات لا يعتمد فقط على المدة، ولكن على طبيعة المواد التي يشاهدها.

منذ 5 ساعات
«لا تجازفوا بعبور السيول».. أمير حائل يوجّه جميع الجهات الحكومية إلى إطلاق حملة تحذيرية لحماية الأرواح أسلوب حياة

«لا تجازفوا بعبور السيول».. أمير حائل يوجّه جميع الجهات الحكومية إلى إطلاق حملة تحذيرية لحماية الأرواح

وجّه أمير منطقة حائل الأمير عبدالعزيز بن سعد بإطلاق حملة إعلامية توعوية للتعريف بمخاطر السيول والأمطار، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بثقافة السلامة، مع إلزام الجهات الحكومية بتفعيل الحملة عبر منصاتها المختلفة، لتوحيد الجهود في ترسيخ السلوكيات الوقائية وحماية الأرواح والممتلكات.

منذ 5 ساعات
"اعتزل بعد الكلاسيكو".. شبيه لامين جمال يثير ضجة في كولومبيا (فيديو) أسلوب حياة

"اعتزل بعد الكلاسيكو".. شبيه لامين جمال يثير ضجة في كولومبيا (فيديو)

أثار شاب كولومبي يعمل في محل لبيع اللحوم تفاعلا واسعا بسبب شبهه الكبير بنجم برشلونة لامين جمال، بعدما مازحه زملاؤه بأنه اعتزل كرة القدم إثر خسارة الكلاسيكو أمام ريال مدريد. نسخ الملخص

منذ 5 ساعات