بيروت ـ «القدس العربي»: بعد دراسات متخصصة تنبهت الشركات الكبرى حول العالم إلى أهمية الحركة لحياة أفضل، وبمتاعب صحية أقل، للعاملين فيها. وهذا لا يعني طبعاً حباً بالعاملين بدون أية حسابات أخرى، انما توفيراً في نسبة الغياب المرضي الذي يكبّد الشركات أعباء مالية.
إذاً المشاكل الصحية التي يخلّفها نمط العمل المكتبي الذي يفتقد إلى الحركة أصبحت حقيقة قائمة بعينها. ولهذا خصصت بعض الشركات أمكنة للرياضة مجهزة بالمعدات المساعدة، أو شجّع وجود تلك الشركات الكبرى على تأسيس أندية خاصة مجاورة يرتادها الموظفون في الأوقات المناسبة لهم. ويُلحظ في بعض المدن الكبرى حول العالم وخلال فسحة الغذاء التي لحدود الساعتين، وجود مجموعات من الشباب تمارس رياضة المشي، أو رياضات أخرى توفرها الحدائق العامة القريبة من مكان العمل. وإن كان المشي هو الرياضة الأكثر شعبية، فالوصول إلى العمل عبر الدراجة الهوائية أصبح سائداً، وفائدته ذات وجهين، فهو من جهة نوع من الرياضة، ومن جهة ثانية يساهم بتخفيض التلوث الناتج عن حركة السيارات. الرياضة ليست اكتشافاً جديداً، وجدت منذ وجد الإنسان وتطورت مع كل جديد طرأ على حياته. والمثل الشعبي «العقل السليم في الجسم السليم» متداول منذ الأزل. ويبقى على الإنسان أن يقاوم باللتي هي أحسن الآثار السلبية للحياة المعاصرة على صحته، عبر الرياضة والحركة التي تجعل عضلاته متينة، وتدعم هيكله العظمي وبخاصة العمود الفقري، ما يؤهله لمسؤولية حمل الجسد بثقة. هنا حوار حول أهمية الرياضة مع المدربة المختصة فاتن عليوان:
○ هل ترين في ممارسة الرياضة اليومية هواية أم ضرورة للإنسان؟ • بل ضرورة ولكافة الأعمار. تشكل الرياضة جزءا أساسيا من البرنامج اليومي في حياة الإنسان، أو الدوري كأن يمارسها لثلاثة أيام في الأسبوع. أثبتت الدراسات الحديثة أهمية الرياضة حتى للأطفال ما قبل سن العاشرة، وأن تترافق تلك الرياضة مع قليل من الأوزان لبناء عضلات متينة. ومؤكد علمياً أن التمارين الخاصة بالأطفال لا تؤثر سلباً على النمو واكتساب الطول، بل تساهم في بناء الصحة والنشاط، وتغذي الكتلة العضلية، والتي بدورها تمدّ العظام بمزيد من القوة وتعزز من كثافته. ولهذا نلحظ أن الأطفال الذين يتناولون الطعام الصحي ويمارسون الرياضة في حال تعرضهم لأي حادث، لن يصابوا بالكسور كما سواهم من الأطفال، وإن حصل الكسر فالشفاء يتمّ سريعاً. ○ ذكرت الطعام الصحي للأطفال فماذا عن آثار الـ«فاست فود» والمقرمشات التي يسوق لها على الطرقات؟ • من شأن هذه الأنواع من الطعام أن تؤثر سلباً على التنفس لدى الأطفال، وتساهم بتناقص مناعتهم، وفي حال تعرضهم لأي وعكة صحية تطول فترة الشفاء، وحتى وإن كانت الإنفلونزا العادية. في حين أن الطفل الذي يمارس الرياضة ويتناول الطعام الصحي فهو يتمتع بدورة دموية أقوى، وبنسبة اوكسيجين أكبر. ○ وهذا يعني أن الرياضة يفترض أن تكون نمط حياة منذ بداية الحياة؟ • بالتأكيد، وضرورة مشاركة الأطفال في الرياضة من كرة قدم، وكرة سلة أو الجمباز وسواها. وخلاف ذلك يعني ملازمة الأطفال للشاشات على أنواعها. ○ ما هي العوامل التي تساعد على اكتساب الإنسان للسلوك الرياضي منذ البدايات؟ • يلعب تشجيع الأهل لأطفالهم بممارسة الرياضة دوراً في اكتساب هذا السلوك. وللمحيط والرفاق في المدرسة أو الحي أثرهما في نشر عدوى الرياضة بحيث تصبح هدفاً والتزاماً جماعياً. وتالياً الانخراط في النشاطات الرياضية بكافة أنواعها، بحيث تصبح جزءاً من الحياة اليومية. ○ نحن حيال أمراض معاصرة منها التكلس والديسك بدءاً من الرقبة وإلى أسفل الظهر. فهل تجنبها ممكن؟ • أعتقد أن هذه الأمراض المعاصرة ناتجة عن تقصير كبير في ممارسة أي نشاط رياضي ويومي. ما ذكرته من تكلس وديسك سببه انعدام الحركة. في مراحل العمر كافة من المراهقة إلى الشباب ومن ثم العمر الثالث وصولاً إلى كبار السن التمارين ضرورة لأنها تُكسب الليونة للعمود الفقري. وفي حال حصول أي من أنواع الديسك أو التكلّس من شأن الرياضة المتخصصة المساعدة في تخفيف آثاره، وإعادة القوة التي افتقدها المكان المصاب. ويُعرف أن تنشيط العضل المحيط بموقع الديسك يؤدي لتخفيف الألم وحتى زواله. فالعضلة تساعد في دعم العمود الفقري، الذي يستعيد قوته من جديد. وبخصوص إصابات أسفل الظهر فالشائع لدى النساء والرجال الديسك بين فقراته والتي تؤدي إلى ما يُعرف شعبياً بـ«عرق النسا»، ويُعرف علمياً بالوتر الأعثر. وسبب هذه الإصابة ضعف العضل في الفقرات السُفلى، والناتجة من انعدام النشاط الرياضي ما يؤدي لضعف كبير في الكتلة العضلية في هذه المنطقة بالتحديد. ○ وهل تكتسب العظام غذاء وقوة حتى في العمر المتقدّم؟ • وفي أي عمر كان. يتجه العظم نحو مزيد من الصحة والنشاط والذي يستمده من العضلات المحيطة بموقع الديسك. وعظام الجسد جميعها تستعيد عافيتها نسبياً وتستمدها من قوة العضلات. ○ في المراحل المتقدمة من العمر قد تصاب المفاصل التي نحتاجها بشدة بالتصلّب. ما هو دور الرياضة لتلافي هذه المرحلة أولاً وعلاجها إن حصلت ثانياً؟ • صحة الجسد في أي عمر كان تحتاج لدعم يأتيها بالتأكيد من كل نشاط حركي. ومن البديهي أن يمتد النشاط الحركي بدءاً من عمر الطفولة من خلال الرياضة المناسبة، ويستمر ويتطور لمدى العمر. للنشاط الحركي تأثيره الإيجابي على صحة القلب، والذهن من حيث تقوية الذاكرة. والتمارين الرياضية المدروسة تتيح الحركة للجسد بكامله، مما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية. وعندها تنعكس تلك الإيجابيات على السلوك الاجتماعي للشخص، بحيث يتمتع بمزيد من الثقة. ○ الجميع يتحدّث عن المشي الرياضة الأكثر شعبية والأقل كلفة التي يشير إليها الأطباء. فما انعكاسه على صحة الإنسان؟ • للمشي فوائد متعددة أهمها أنه يحرّك الدورة الدموية ويزيد من نسبة الأوكسيجين في الدم. والمشي في الهواء الطلق وفي الطبيعة بخاصة ينعكس إيجاباً على نفسية الإنسان، لكنه ليس بديلاً عن رفع الأوزان، وتمارين المقاومة. ○ الدهون في الدم والسمنة من الأمراض المعاصرة. فما هي الرياضة المساعِدة على مقاومة هاتين المعضلتين؟ • تُساعم الرياضة بتخفيف نسبة الدهون في الدم، وخاصة في الشرايين المرتبطة مباشرة بالقلب. كما تساعد على بناء العضل والذي سيأخذ حيزه في الجسم مكان السمنة. وفي حالتي الدهون والسمنة تلعب السباحة دوراً مهماً في التخفيف منهما. ○ هل من اختلاف بين التمارين الرياضية التي تحتاجها المرأة وتلك التي يحتاجها الرجل؟ • حتى وأن مارست المرأة رفع الأثقال فلن تكسب ضخامة العضلات والكتفين كما الرجل. فهرمون التستستيرون لدى الرجل يساهم بمنحها الضخامة، بخلاف هرومون الأستروجين الموجود لدى النساء. ليس من اختلاف كبير في الحركات الرياضية بين المرأة والرجل، إنما يفترض بالمرأة أن تحافظ على شكل جسدها. وليس ضرورياً أن تحمل الأوزان إذا كانت لا تهوى ذلك. ○ كيف تتغذى العضلات برفع الأوزان؟ • مع التقدّم بالعمر تصاب العضلات بالضمور. إذ تقول الدراسات أن جسم الإنسان يخسر كل عشر سنوات خمسة في المئة من كتلته العضلية، وذلك بدءاً من مرحلة الأربعينيات. وهذا الضمور العضلي يجعل جسد كبار السن عاجزاً عن حملهم. لهذا تزداد الكسور لديهم، وخاصة الورك الذي يفتقد العضل المفترض أن يشكّل حماية له. ويجتمع الضمور العضلي مع هشاشة العظام ما يتسبب بكسور بعد أي حادث ولو صغير. جسد الإنسان كل متكامل يتأثر في الصحة والضعف. ○ متى يمكن للرياضة المنهجية والأكاديمية أن تكون بديلاً للعلاج الفيزيائي؟ • نكرر أهمية وضرورة الرياضة لكافة مفاصل الجسم. وهذا لا يلغي أبداً ضرورة العلاج الفيزيائي إثر حوادث معينة. الإنسان حيال دائرة متصلة تساهم ببناء صحته الجسدية بدءاً من الطعام الصحي، إلى الرياضة، وضرورة النوم بين 7 و8 ساعات يومياً. لا بديل عن العلاج الفيزيائي، إنما التعاون بين المعالج والمدرب الرياضي سيكون في صالح الإنسان الذي يحتاج هذه الخدمة. ○ قد يقرر الجسد ولسبب مرضي أن يُقفل بعض المفاصل ويجعلها عصية على الحركة. ما هو دور الرياضة في فكفكتها؟ • من شأن الرياضة قبل بلوغ هذه المرحلة أن تضفي اللياقة على الجسد، وكذلك مرونة الحركة لكافة مفاصل الجسم. وهكذا تستبق الرياضة إقفال المفاصل وتصدّه، لأنها تساهم بليونة الجسد، وتمده بالحيوية والحياة. ومن يمارس الرياضة بشكل منتظم يحافظ على جسده مستقيماً ومنتصباً. ○ منذ عقدين تقريباً ازدات النوادي الرياضية وباتت النساء من روّداها. ما الذي اختلف؟ • تكثّفت النشاطات الرياضية وبات الناس أكثر إدراكاً لأهميتها بخاصة في المدن. بينما يمتاز الريف بالحركة التي يتيحها لأهله، والعمل اليدوي في الحدائق المحيطة بالمنازل، إلى جانب الحقول. من المؤكد أن هواء الريف أنقى من هواء المدن، وكذلك الأمر بالنسبة لجودة الطعام. وأذكر كذلك ضجيج المدن وأثره السلبي على الجهاز العصبي، وهذا ما يعيش سكان الأرياف بمنأى عنه. وهكذا أدى الوعي بأهمية الرياضة والإقبال عليها إلى زيادة عدد النوادي. وباتت موجودة حتى بين الأحياء، والخيارات مفتوحة بين مختلط، وبين مختص للنساء أو للرجال. إلى توافر خيارات الموقع منها روف، ومنها تحت الأرض. ○ ما هي الهورمونات التي تساهم الرياضة في تعزيز افرازها لدى النساء؟ وما هو أثرها على صحتها النفسية والجسدية؟ • نعرف أن جسم المرأة يفرز هورمون الإستروجين بشكل دائم قبل توقف الدورة الشهرية. وممارسة الرياضة بشكل منتظم تُعزز افرازه، وتساهم في تأخير مرحلة توقف الدورة الدورة الشهرية. وفي حال توقفها فإن المرأة التي تمارس الرياضة بانتظام يتراجع لديها معدل الأوجاع التي ترافق هذه المرحلة من عمرها. باختصار السيدة التي تمارس الرياضة تمرر انقطاع الدورة بشكل سلس، بالنسبة لغيرها. وحتى ما يُسمى بالـ«هبّات» والتي تخشاها النساء، فمن تمارسن الرياضة يتراجع وقعها عليهن. ○ وماذا عن هورمون السعادة الذي تفرزه الرياضة؟ • ويُعرف بالإندورفين. تفرزه جميع أنواع الرياضات بما فيها المشي. وهذا الهورمون يساهم في تعزيز الطاقة الإيجابية لدى الإنسان. ○ هل من إيجابيات صحية لم نذكرها خلال الحوار؟ • يتأثر التنفس كثيراً بالرياضة، مما ينشط حركة عضلة القلب وصحته. وتخفف الرياضة من نسبة السكري وضغط الدم، وتحارب الكوليسترول السيء. وهي أمور صحية بمنتهى الأهمية. ○ وكيف يمكن للرياضة أن تصبح سلوكاً يومياً؟ • يحضرني المثل الذي يقول «ما شِفت مين مات». من سلوك البشر الطبيعي النظر إلى الأمور الإيجابية في الحياة. ومن السلوك المشكور التمثّل بمن هم إيجابيون. ومن يتبع هذه السرديات في حياته لن يحتاج في حياته المتقدمة لمساعدة. مضافاً إليها أن حياته بمختلف مراحلها تكون مريحة بحدود كبيرة لجهة الآلام المرتبطة بالمسنين. مؤسف أن نرى أشخاصاً يرفضون الحركة الرياضية. خلال ممارستي لعملي تعرّفت إلى ما يتقبله وما يرفضه روّاد النوادي الرياضية. منهم من يملّون التعامل مع الآلات، وهؤلاء لديهم خيار الصفوف الجماعية. المجموعات الرياضية تبثّ روح الحماس، وتحفّز المنافسة الإيجابية. ومن خلال معايشتي لصفوف الرياضة الجماعية للنساء ألمس مدى اعجاب إحداهنّ بالأخرى عندما يرون بأم العين النجاح بتنفيذ خطوات حركية بدت عصية لبعض الوقت. ○ من أمراض العصر المستجدة الرؤوس المنحنية على الهواتف وفي كافة الأمكنة. ماذا تقولين لهم؟ • عندما يصبح هذا الجهاز ضرورة قصوى ليرفعه صاحبه إلى عينيه بدل أن يحني عنقه نحوه، لأنه حتماً سيتعب فقرات الرقبة. بات ظاهراً للعيان، أن النظر في الهاتف أدى إلى ذقن مزدوج. ولهؤلاء أقول حاولوا إنقاذ صحتكم قبل فوات الأوان. ○ وهل من مفاجآت تلحظينها في ميدان عملك؟ • بالتأكيد. تصدمني جداً إصابات العمود الفقري لدى صغار السن. فهل يُعقل أن تعاني طفلة بعمر 15 سنة من آلام أسفل الظهر؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى أفتخر جداً عندما تحقق السيدات وبعد زمن محدود من المواظبة على التمارين نتائج إيجابية. يسعدني جداً كمدربة رياضية تقدير من يواظبن على الصفوف ويقدرن أهمية ما نقوم به، وانعكاسه الكبير على صحتهن النفسية والجسدية.