تواصل المملكة توسيع حضورها في المحافل الدولية المعنية بالأمن الغذائي والطاقة، من خلال المشاركة في اجتماعات مجموعة العشرين ومجلس التعاون الخليجي، واستضافة الاجتماعات الوزارية والمنتديات المتخصصة، إلى جانب بناء شراكات دولية تستهدف تعزيز موثوقية الإمدادات وتطوير سلاسل التوريد وتبادل الخبرات والتقنيات.
وتكتسب هذه التحركات أهمية متزايدة في ظل التحديات التي تواجه أسواق الغذاء والطاقة، بفعل التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة والملاحة البحرية وتقلبات الأسواق، وما تفرضه من ضغوط على إمدادات السلع الأساسية وتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين.
مجموعة العشرين.. تنسيق بشأن أمن الإمدادات
يعكس حضور المملكة في اجتماعات مجموعة العشرين ومجلس التعاون الخليجي توجهًا نحو تعزيز التنسيق متعدد الأطراف بشأن القضايا الاقتصادية التي تتجاوز آثارها حدود الدول، وفي مقدمتها أمن الطاقة والغذاء والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، استعرض مجلس الوزراء السعودي، خلال جلسته في 3 نوفمبر الجاري، نتائج مشاركات المملكة في اجتماعات مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومجموعة العشرين، وما تناولته من قضايا تتصل بأمن الملاحة البحرية والطاقة والأمن الغذائي والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وأكد المجلس موقف المملكة الرافض للانتهاكات التي تهدد أمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية، وأهمية اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات لضمان سلامة الممرات البحرية وحركة التجارة الدولية، كما جدد التأكيد على استمرار المملكة في توفير إمدادات الطاقة للأسواق العالمية بموثوقية.
وتبرز أهمية هذه الملفات في ارتباط أمن الإمدادات الغذائية والتجارية بسلامة الممرات البحرية واستقرار حركة النقل، فضلًا عن تأثير اضطرابات الطاقة في تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد، وهو ما يجعل التنسيق الدولي أحد المسارات المهمة للتعامل مع المخاطر الاقتصادية.
الرياض تجمع قادة قطاع الطاقة
برز الحضور السعودي في ملف الطاقة من خلال استضافة الرياض سلسلة من الاجتماعات والفعاليات الدولية خلال أكتوبر 2026، من بينها الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، الذي انعقد في 11 أكتوبر الماضي، بمشاركة وزراء ومسؤولين وممثلين عن مؤسسات وشركات دولية.
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت، قبل انطلاق الفعاليات، تأكيد مشاركة أكثر من 70 وزيرًا، وأكثر من 300 رئيس تنفيذي ومسؤول رفيع، إلى جانب ممثلين عن منظمات ومؤسسات دولية. وتمثل هذه الأعداد حجم المشاركة المعلن قبل انعقاد الفعاليات، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حصيلة نهائية للحضور الفعلي.
وناقش الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي قضايا أمن الإمدادات ومرونة منظومات الطاقة، واستمرار الاستثمار في القطاع، وأهمية توافر بيانات موثوقة للأسواق، بما يدعم الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة ويعزز فهم التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.
وفي إطار توسيع التعاون المؤسسي، وقّعت وزارة الطاقة السعودية ومنتدى الطاقة الدولي مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة النظيفة، والحد من آثار تغير المناخ، واقتصاد الكربون الدائري، بما يفتح مجالات إضافية لتبادل الخبرات وتطوير المبادرات المشتركة.
الأمن الغذائي.. شراكات خليجية ودولية
يمثل الأمن الغذائي محورًا آخر في التحركات السعودية، من خلال التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي والشراكات البحثية الدولية، بهدف تطوير الإنتاج الزراعي وتحسين كفاءة استخدام الموارد وتعزيز القدرة على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار، تتواصل الجهود الخليجية لتطوير التعاون الزراعي والأمن الغذائي، بما يشمل تبادل الخبرات والتقنيات، وتعزيز التكامل في مجالات الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، وتطوير آليات التعامل مع المخاطر التي قد تؤثر في توافر السلع الغذائية.
وعلى المستوى الدولي، وقّعت وزارة البيئة والمياه والزراعة في يناير 2026 اتفاقية تعاون بقيمة 5 ملايين دولار مع المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية، تستهدف دعم الابتكار الزراعي والغذائي والاستدامة البيئية، وتطوير القدرات البحثية والتقنية.
وتشمل مجالات التعاون إجراء دراسات بشأن الإدارة المستدامة للمياه، وتحسين المحاصيل الزراعية، وتطوير أدوات رقمية لرفع كفاءة الري، وتعزيز بنك الجينات النباتي السعودي، إلى جانب تنفيذ مشروعات بحثية والاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير الممارسات الزراعية.
وتعكس الاتفاقية توجهًا نحو ربط جهود تعزيز الأمن الغذائي بالبحث العلمي ونقل المعرفة والتقنيات، بما يدعم تطوير الإنتاج المحلي ويرفع كفاءة استخدام الموارد، خصوصًا المياه، في ظل التحديات البيئية والمناخية.
مؤشرات الإنتاج الزراعي والاستدامة
تتزامن هذه الشراكات مع تطور مؤشرات القطاع الزراعي في المملكة؛ إذ تجاوز إجمالي إنتاج السلع الزراعية والغذائية 16 مليون طن خلال عام 2024، فيما بلغت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي نحو 31.5 مليار دولار.
كما سجل القطاع معدل نمو سنوي مركب تجاوز 7% خلال السنوات الخمس الماضية، بينما انخفض استخدام المياه غير المتجددة في الزراعة بنسبة 52% مقارنة بعام 2016، وفق بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة.
وتعكس هذه المؤشرات تطور قدرات الإنتاج الزراعي وتحسين كفاءة استخدام الموارد، لكنها تظل مؤشرات محلية تخص القطاع الزراعي السعودي، ولا تمثل قياسًا مباشرًا لأثر التحركات الدولية للمملكة في أسواق الغذاء العالمية.
الغذاء والطاقة.. ارتباط يفرض التنسيق الدولي
تتزايد أهمية التنسيق بين ملفي الغذاء والطاقة بسبب الارتباط المباشر بينهما؛ إذ تدخل الطاقة في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من تشغيل أنظمة الري والآلات إلى تصنيع الأغذية ونقلها وتخزينها، كما تؤثر تكاليف الوقود والكهرباء والأسمدة في تكلفة إنتاج الغذاء وأسعاره.
وفي المقابل، يمكن أن تؤدي اضطرابات التجارة والملاحة البحرية إلى التأثير في تدفق إمدادات الطاقة والسلع الغذائية ومدخلات الإنتاج، بما يضاعف المخاطر التي تواجه الأسواق، خصوصًا الدول المعتمدة على الاستيراد.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المشاركات السعودية في المحافل الدولية، واستضافة الاجتماعات الوزارية، وتوسيع الشراكات البحثية والتقنية، أهمية في دعم الحوار والتعاون وتبادل الخبرات بشأن أمن الإمدادات ومرونة سلاسل التوريد.
تم نشر هذه المقالة السعودية في محافل العالم.. تنسيق دولي لتعزيز أمن الغذاء والطاقة للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.