كشف باحثون عن آلية جزيئية تفسر كيف يمكن لطفرة في نسخة واحدة من جين مسؤول عن تنظيم الاستجابة المناعية أن تتسبب في اضطراب وراثي نادر، رغم امتلاك المريض نسخة أخرى سليمة من الجين نفسه، في اكتشاف يساعد على فهم أسباب بعض أمراض نقص المناعة الوراثية.
وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية Science Signaling أن الشكل المتحور من بروتين يعرف باسم STAT3 لا يفقد وظيفته الطبيعية فحسب، بل يرتبط أيضاً بالبروتين السليم، ويمنعه من الوصول إلى نواة الخلية، حيث يؤدي دوره في تنظيم نشاط الجينات.
ويرتبط هذا الخلل بمتلازمة فرط الجلوبولين المناعي E، المعروفة اختصاراً باسم HIES، وهي اضطراب مناعي وراثي نادر، قد يتسبب في التهابات متكررة بالجلد والرئتين، إلى جانب مشكلات أخرى تختلف شدتها من مريض إلى آخر.
نسخة جينية واحدة تسبب اضطراباً مناعياً
ويؤدي بروتين STAT3 دوراً محورياً في عمل الجهاز المناعي؛ إذ ينتمي إلى مجموعة من البروتينات المسؤولة عن نقل الإشارات الكيميائية من سطح الخلية إلى نواتها، وتنظيم التعبير الجيني استجابة لجزيئات تعرف بـ"السيتوكينات"، وهي مواد تستخدمها الخلايا المناعية للتواصل، وتنسيق استجابتها للعدوى والالتهابات.
وفي الظروف الطبيعية، يؤدي ارتباط "السيتوكينات" بمستقبلاتها إلى تنشيط بروتين STAT3 الذي يتحد مع جزيء آخر من البروتين نفسه لتكوين بنية ثنائية تنتقل إلى نواة الخلية، حيث تتحكم في تشغيل جينات ضرورية لوظائف الخلايا المناعية وتطورها.
لكن الباحثين وجدوا أن هذه العملية تتعطل لدى المرضى الذين يحملون بعض الطفرات المسببة للمرض، وهو ما يثير تساؤلاً بشأن قدرة نسخة جينية متحورة واحدة على إحداث اضطراب مناعي، رغم استمرار وجود نسخة سليمة يُفترض أن تنتج بروتيناً طبيعياً.
ولفهم هذه الظاهرة، درس الباحثون حالة مريض يحمل طفرة في جين STAT3، تعرف باسم STAT3R31Q "لم يسبق توثيقها لدى المصابين بمتلازمة فرط الجلوبولين المناعي E".
وعندما حفز الباحثون الخلايا المناعية باستخدام "السيتوكينات"، أظهرت التجارب أن البروتين الناتج عن هذه الطفرة كان أقل قدرة من البروتين الطبيعي على تنشيط التعبير عن الجينات المستهدفة، ما يشير إلى ضعف الاستجابة الجزيئية اللازمة لتنظيم وظائف الجهاز المناعي.
غير أن النتيجة الأكثر أهمية تمثلت في اكتشاف أن البروتين المتحور يميل إلى الارتباط بالبروتين السليم، مكوناً معه أزواجاً بروتينية مختلطة، بدلاً من اقتصار تأثيره على فقدان وظيفته الخاصة.
ووجد الباحثون أن هذه الأزواج المختلطة ظلت محتجزة في "السيتوبلازم"، وهو الجزء الداخلي من الخلية المحيط بالنواة، ولم تتمكن من الانتقال إلى النواة لتنظيم التعبير الجيني كما يحدث في الظروف الطبيعية.
وتوضح هذه النتائج كيف يمكن للبروتين المتحور أن يعطل وظيفة البروتين الطبيعي، في آلية تُعرف علمياً باسم "التأثير السلبي السائد"، حيث لا يقتصر تأثير الطفرة على إضعاف المنتج الجيني المتحور، بل يمتد إلى إعاقة وظيفة المنتج السليم.
تفسير وراثي لمتلازمة فرط الجلوبولين المناعي E
وتساعد الآلية المكتشفة على تفسير الطبيعة الوراثية السائدة للمرض؛ إذ يكفي أن يرث الشخص نسخة واحدة متحورة من الجين لظهور الاضطراب، على خلاف الأمراض الوراثية المتنحية التي تتطلب عادة وراثة نسخة مسببة للمرض من الأب وأخرى من الأم.
ويرى الباحثون أن الجمع بين ضعف قدرة البروتين المتحور على تنظيم الجينات، واحتجازه البروتين الطبيعي خارج النواة، يقدم تفسيراً جزيئياً لكيفية تسبب طفرة STAT3R31Q في الإصابة بمتلازمة فرط الجلوبولين المناعي E.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أنه يوضح جانباً من آليات نقل الإشارات المناعية داخل الخلايا، ويساعد على فهم العلاقة بين الطفرات الجينية، واختلال وظائف البروتينات، بما قد يدعم مستقبلاً جهود تفسير الاختلافات بين الاضطرابات المناعية الوراثية.
ورغم أن النتائج تفسر آلية مرضية على المستوى الجزيئي، إلا أنها لا تثبت بعد إمكانية علاج المرض عبر منع ارتباط البروتين المتحور بالبروتين السليم، أو تسهيل انتقاله إلى نواة الخلية، وهو ما يتطلب أبحاثاً إضافية لتحديد إمكانات التدخل العلاجي.