بنى النجم الفرنسي كيليان مبابي، مهاجم ريال مدريد الإسباني، إمبراطورية مالية تُقدر ثروتها بنحو 280 مليون دولار، مستفيدا من أجوره المرتفعة وعقود الرعاية العالمية، قبل أن يتوسع في الاستثمار بقطاعات التكنولوجيا والرياضة والإنتاج الإعلامي.
لكن هذه الإمبراطورية تواجه اختبارا جديدا، بعدما تسببت تصريحاته بشأن الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ في إنهاء 3 شركات صينية كبرى شراكاتها معه، بقيمة سنوية تقديرية لبعض العقود تبلغ نحو 7.8 ملايين دولار، وفقا لصحيفة "ليكيب" الفرنسية.
ورغم اعتذار مبابي ومحاولات احتواء الأزمة، فإن تداعياتها تثير تساؤلات بشأن قدرته على حماية علامته التجارية ومواصلة التوسع في السوق الصينية.
تُقدر ثروة مبابي بنحو 280 مليون دولار، استنادا إلى تقديرات إعلامية أوردتها وكالة الأنباء الفرنسية، بينها "فوربس" و"سيليبريتي نت وورث"، دون وجود إفصاح مالي رسمي يحدد القيمة الدقيقة لأصوله.
وشكلت السنوات الـ7 التي قضاها مع باريس سان جيرمان الفرنسي قاعدة أساسية لتراكم ثروته، إذ بلغ راتبه السنوي في نهاية مشواره مع النادي نحو 83.5 مليون دولار، فضلا عن مكافآت الولاء والتوقيع.
ويرى أرنو بيريكار، المحامي المتخصص في الشؤون الرياضية، أن هذه المستويات من الدخل حولت بعض اللاعبين إلى كيانات اقتصادية مستقلة تمتلك قدرات استثمارية كبيرة.
ويشرح أن اللاعبين كانوا يتجهون سابقا إلى مشروعات تقليدية، مثل المطاعم والفنادق، بينما أصبح بإمكان النجوم الأعلى دخلا تأسيس شركات قابضة ومحافظ استثمارية تديرها فرق متخصصة.
وفقا لتقديرات مجلة "فوربس" لعام 2026، تبلغ إيرادات مبابي السنوية نحو 100 مليون دولار، منها 70 مليونا من نشاطه الكروي و30 مليونا من عقود الرعاية والأنشطة التجارية خارج الملعب.
ويحتل المهاجم الفرنسي المركز الثالث بين لاعبي كرة القدم الأعلى دخلا في العالم، خلف البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي.
وتشمل محفظة شراكاته التجارية علامات عالمية، أبرزها "هوبلو" للساعات، و"ديور" للأزياء، و"أوكلي" للنظارات، و"إي إيه سبورتس" لألعاب الفيديو.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أنهى مبابي شراكته الطويلة مع شركة "نايكي" الأميركية، ووقع اتفاقا مع شركة "أون" السويسرية للمنتجات الرياضية، يتضمن مقابلا ماليا وحصة في رأس مال الشركة، دون الكشف عن قيمة الصفقة.
ويعكس هذا الاتفاق تحولا في نموذج الرعاية الرياضية، إذ لم يعد اللاعب يكتفي بالعائد الإعلاني، بل يسعى إلى امتلاك حصص استثمارية في الشركات التي يتعاون معها.
يدير مبابي جزءا من استثماراته عبر شركته القابضة "إنتركونيكتد فنتشرز"، التي توسعت أنشطتها إلى قطاعات تتجاوز كرة القدم.
ففي عام 2024، استحوذ عبر ذراعها الاستثمارية "كواليشن كابيتال" على حصة أغلبية في نادي كان الفرنسي، ليصبح من أبرز اللاعبين الذين دخلوا مجال ملكية الأندية خلال مسيرتهم الاحترافية.
وفي قطاع التكنولوجيا، استثمر في منصة "سورار" للألعاب الرياضية والمقتنيات الرقمية، وشركة "آلان" المتخصصة في التأمين الصحي.
كما وسع نشاطه الرياضي بالاستثمار في الفريق الفرنسي المشارك ببطولة "سيل جي بي" لسباقات القوارب الشراعية.
أما في مجال الإعلام والترفيه، فأسس عام 2022 شركة الإنتاج "زيبرا فالي"، لتطوير محتوى ومشروعات مرتبطة بالرياضة والثقافة.
ويصف برونو بيانزينا، المسؤول في شركة "سبورتماركت" للتسويق الرياضي، استراتيجية مبابي الاستثمارية بأنها مثيرة للإعجاب، في ظل تنوع القطاعات التي دخلها.
رغم تنوع مصادر إيراداته، أظهرت الأزمة الصينية مدى ارتباط القيمة التجارية لمبابي بصورته العامة في الأسواق الدولية.
فقد أعلنت شركات "دونغبينغ" للمشروبات، و"منغنيو" للألبان، و"ميلكغراوند" للأجبان، إنهاء شراكاتها معه عقب انتشار مقطع من برنامج "ذي بريدج"، تحدث فيه عن صورة ساخرة يظهر فيها وجهه مركبا على صورة الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ.
وبحسب صحيفة "ليكيب"، بلغت القيمة السنوية المقدرة لعقدين من العقود المنتهية نحو 7.8 ملايين دولار، وكان مقررا انتهاؤهما في فبراير/شباط ومارس/آذار 2027.
غير أن هذا الرقم يمثل القيمة السنوية التقديرية للعقدين، وليس خسارة محققة بالكامل، إذ لم تُعلن التفاصيل المالية لإنهائهما أو قيمة المستحقات المتبقية.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى تعليق بث مباريات من الدوري الإسباني عبر التلفزيون الرسمي الصيني، قبل أن يقدم مبابي اعتذاره، وتعلن وزارة الخارجية الصينية أنها تأخذه بجدية.
ويرى بيريكار أن خسارة عقود بهذه القيمة تظل مؤثرة حتى بالنسبة إلى لاعب بحجم مبابي، قائلا للفرنسية: "إذا كان هذا هو المبلغ بالفعل، فهو يظل مهما إلى حد كبير".
ويضيف أن عددا محدودا جدا من الرياضيين يستطيع تحقيق مثل هذه الإيرادات من الرعاية التجارية في الصين.
من جانبه، يحذر بيانزينا من احتمال امتداد التداعيات إلى شركاء آخرين، ولا سيما "ديور" التابعة لمجموعة "إل في إم إتش" الفرنسية للسلع الفاخرة، التي تمتلك مصالح اقتصادية واسعة في السوق الصينية.
لكن بيريكار يستبعد اتساع الأضرار، مرجحا أن يقتصر تأثير الأزمة على إبطاء جهود مبابي لترسيخ حضوره التسويقي في الصين.
وهكذا، تكشف تجربة مبابي عن نموذج جديد لنجوم كرة القدم الذين تحولوا إلى مستثمرين يديرون أعمالا متنوعة، لكنها تبرز في الوقت نفسه هشاشة القيمة التجارية للعلامة الشخصية أمام الأزمات التي قد تنشأ خارج الملاعب.