ثمة أفلام تنتهي عندما تنطفئ الشاشة، وأخرى تأخذ معها شيئاً من الضوء وتتركه فينا. ينتمي فيلم Sentimental Value للمخرج النرويجي يواكيم ترير، إلى النوع الثاني. لا يرفع صوته كي يبقى، ولا يحتاج إلى حدث صاخب أو إجابة نهائية. يتسلل بهدوء، عبر بيت قديم، ونظرة تتأخر قليلاً، وجملة لا تكتمل، وصمت بين شخصين يعرف كل منهما أن ثمة كلاماً كثيراً لا يجد طريقه إلى اللغة. وربما تكمن إحدى أجمل صفات الفيلم في ثقته بالصمت بقدر ثقته بالكلمات. فالكاميرا لا تطارد الشخصيات بحثاً عن اعتراف، ولا تستعجل كشف ما تخفيه، بل تترك لها مسافة، كأنها تعرف أن بعض ما يحدث بين البشر لا يمكن شرحه بالكامل.
في هذا الصمت تحديداً حضرت أمامي أسئلة الأطفال والطفلات. تلك الأسئلة البسيطة التي قد تبدو للكبار أصغر من أن تستحق إجابات كاملة: أين ذهب أبي؟ لماذا لم يعد؟ أين أمي؟ هل تألمت؟ لماذا كان الكبار يتشاجرون؟ ماذا حدث في هذا البيت قبل أن أولد؟ ولماذا يعرف الجميع شيئاً لا يخبرني به أحد؟
لا أبحث لهذه الأسئلة عن تفسير نفسي، فهذه ليست معرفتي، ولا أريد أن أعود من حياة الشخصيات البالغة إلى طفولتها لأشرح لماذا أصبحت كما أصبحت. ما أثار اهتمامي في الفيلم، كعاملة في مجال حماية الأطفال والطفلات، كان سؤالاً أكثر بساطة وربما أكبر مسؤولية: عندما كان الأطفال والطفلات حاضرين، هل تنبه الأشخاص البالغون إلى وجودهم وإلى ما قد يسمعونه أو يرونه؟
يروي Sentimental Value قصة نورا وأغنيس ووالدهما غوستاف، المخرج السينمائي المعروف الذي غاب طويلاً عن حياتهما. بعد وفاة والدتهما، يعود غوستاف إلى بيت العائلة ومعه سيناريو جديد. يريد أن يصور الفيلم في البيت، ويريد من نورا، الممثلة المسرحية، أن تؤدي الدور الرئيسي. ترفض، فيذهب الدور إلى ممثلة أميركية شابة. لكن الفيلم الذي يريد الأب صنعه يأخذنا تدريجياً إلى تاريخ أقدم من الابنتين، إلى والدته هو، وإلى طفولة أخرى مرّت في البيت نفسه.
يبدأ الفيلم كقصة عائلية ليتحول بهدوء إلى تأمل في فعل رواية القصة نفسه. غوستاف رجل يعرف كيف يصنع مشهداً، وكيف يكتب شخصية، ويوجه ممثلة، ويعيد بناء الماضي داخل السينما، لكنه لا يمتلك بالضرورة حساسية أخلاقية تمكنه من تفكيك كل التجارب التي تدخل ذلك الماضي. والفيلم لا يشرح هذه المفارقة، بل يجعلنا نعيشها. إنه فيلم عن عائلة، وفي الوقت نفسه فيلم عن تحويل العائلة إلى فيلم، وعن المسافة الدقيقة بين أن نروي ما عشناه وبين أن نروي ما عاشه الآخرون والأخريات معنا.
أحببت أيضاً أن ترير لا يجعل من هذه العائلة مأساة متواصلة. ثمة خفة وفكاهة وارتباك يومي تتسلل بين اللحظات الثقيلة. الشخصيات لا تتحول إلى رموز للألم، ولا يطلب منا الفيلم أن نتعامل معها بوقار دائم. تضحك، وتخطئ، وتنسحب، وتحاول الاقتراب ثم تتراجع. ويمنح هذا التوازن الفيلم إنسانيته. أداء ريناته رينسفه في دور نورا قائم في كثير من الأحيان على الاقتصاد، على النظرة والحركة وما لا يقال، بينما يمنح ستيلان سكارسغارد غوستاف حضوراً لا يسمح باختزاله بسهولة في صور الأب الغائب. لا يحاكم ترير شخصياته، لكنه أيضاً لا يمنحها البراءة. يتركها في تناقضاتها، ويتركنا أمام مرآة هذا التعقيد كحياة معلقة.
ومع جمالية الشخصيات، على بساطتها وتعقيدها، فإن الشخصية التي بقيت معي أكثر لم تكن إنساناً. كانت البيت!
البيت في Sentimental Value ليس ديكوراً. له كيان يكاد يوازي حضور الشخصيات. الأبواب والنوافذ والسلالم والغرف والمدفأة التي يعبرها الصوت، كلها بقيت في أماكنها فيما تغيّر أصحابها. تمر الأجيال ويبقى المكان، كأنه يعرف أشياء لا تستطيع الشخصيات قولها. قبل نورا وأغنيس، كان هناك غوستاف طفلاً، وكانت هناك والدته التي عاشت التعذيب خلال الحرب العالمية الثانية ثم أنهت حياتها. ثم جاءت طفولة نورا وأغنيس، بانفصال الوالدين وغياب الأب. وبعدهما يدخل أطفال جيل جديد إلى البيت نفسه. لا يقول الفيلم إن حدثاً أنتج الآخر، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى بناء هذه العلاقة السببية. يكفي أن نلاحظ أن الأطفال كانوا حاضرين، في أزمنة مختلفة، داخل أحداث صنعها عالم الكبار.
من هنا بدأت أشاهد الفيلم بعين الحماية، لا لأحوّل شخصياته إلى حالات، بل لأن السينما الجميلة تستطيع أحياناً أن تجعلنا نرى ما تمر عليه اللغة المهنية بسرعة. نميل، نحن الكبار، إلى اعتبار الانفصال شأناً بين شخصين بالغين، والخلاف بين الوالدين شأناً يخصهما، والرحيل قراراً شخصياً، والموت حدثاً نحاول حماية الأطفال من تفاصيله، والتاريخ العائلي المؤلم شيئاً يمكن وضعه في صندوق وإغلاقه. لكن الطفل/ة لا يصبح خارج الحدث لمجرد أنه لم يشارك في اتخاذ القرار. قد لا يكون طرفاً في الخلاف، لكنه يعيش الحياة التي تتغير من حوله.
وهنا يفتح الفيلم، سؤالاً جوهرياً في الحماية: أين ينتهي حق الكبار في الاحتفاظ بتفاصيل عالمهم، وأين يبدأ حق الطفل/ة في فهم ما يمس حياته/ا؟ فالحماية لا تعني أن نقول للأطفال والطفلات كل شيء، لكنها لا يمكن أن تعني الصمت عن كل شيء أيضاً.
ربما لهذا وجدت نفسي أفكر أثناء مشاهدة الفيلم في مفهوم التجارب السلبية في الطفولة (ACES)، لقد كان لهذا الإطار دور كبير في توسيع الانتباه إلى الظروف التي قد يعيشها الأطفال والطفلات، بما يتجاوز العنف المباشر ليشمل أوضاعاً أسرية واجتماعية أخرى تمس استقرار حياتهم/ن. لكنني أجد مشكلة حين يتحول هذا المفهوم إلى عملية عدّ، ثم يصبح الرقم وسيلة لقراءة الشخص البالغ وتفسيره من خلال طفولته. لا أريد أن أفعل ذلك بنورا أو أغنيس أو غوستاف، ولا أريد أن نفعل ذلك بالأطفال والطفلات الذين نعمل معهم. فالطفل/ة ليس مجموع ما حدث له، وحماية الطفل/ة لا ينبغي أن تنطلق من محاولة التنبؤ بمن سيصبح، بل من مسؤوليتنا خلال مرحلة الطفولة.
غوستاف يريد أن يصنع فناً من تاريخ عائلته، وفجأة يصبح Sentimental Value فيلماً يسائل الفعل الذي يقوم به هو نفسه: رواية حياة الآخرين. لمن تعود القصة عندما يكون ما عشناه متشابكاً مع ما عاشه أشخاص آخرون؟ هل يكفي أن تكون التجربة جزءاً من تاريخي لكي أمتلك حق رواية الأجزاء التي تخصهم منها؟ وأين ينتهي حقي في التعبير ويبدأ حق شخص آخر في الخصوصية؟
هذه الأسئلة تتجاوز السينما مباشرة. فهي حاضرة في صور الأطفال التي ننشرها، وفي شهاداتهم التي تدخل تقارير المؤسسات وحملات جمع التبرعات، وفي الأبحاث والأفلام الوثائقية والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي. وحاضرة أيضاً في العبارة التي نكررها بحسن نية: “إعطاء الأطفال صوتاً”. لكن الأطفال لديهم أصوات. السؤال ليس كيف نعطيهم إياها، بل إن كنا نعرف كيف نصغي إليها، وإن كان ما يقولونه سيؤثر فعلاً في القرارات التي تمسّهم. والأهم أن تكون لهم أيضاً إمكانية الامتناع عن الكلام، ورفض نشر صورة أو قصة، والعودة عن موافقة سابقة حين يكون ذلك ممكناً، وألا تتحول لحظة من طفولتهم إلى تعريف دائم بهم في المجال العام.
أحببت أن Sentimental Value لا يحل هذه المعضلة نيابة عنا. لا يقول إن الفن ينقذ، ولا أن الكلام يصلح كل شيء، ولا يجعل من المصالحة نهاية إلزامية. يترك مسافات بين الشخصيات، ولا يغلق كل الأبواب ولا يفسر كل الصمت.
عندما أفكر الآن في Sentimental Value، أعود إلى البيت، إلى النوافذ والسلالم والغرف والأشياء التي بقيت فيما رحل الناس. وربما هنا تحديداً تلتقي جمالية الفيلم مع سؤال الحماية. فالبيت يحمل قيمة عاطفية لأن الأشياء لا تحمل قيمتها في ذاتها فقط، بل في العلاقات والقصص التي مرت من حولها.
قد يحتفظ البيت بصورة على الحائط، أو كرسي لم يعد أحد يجلس عليه، أو غرفة تغير استخدامها، أو باب بقي مغلقاً طويلاً. وقد يحتفظ أيضاً بسؤال طرحه طفل أو طفلة ولم يعرف أحد كيف يجيبه.
ربما تكون حماية الطفل، في أحد أبسط معانيها، ألا نتركه وحيداً أمام ذلك السؤال.
ثمة أفلام نحبها لأنها تحكي لنا قصة. أما Sentimental Value فجماله في أنه لا يغلق القصة عندما تنتهي. نغادره مع ذاكرتنا المعلقة بأشياء وأماكن لم يعد الوصول إليها ممكناً.