نواكشوط ـ «القدس العربي»: بين تصاعد معدلات السمنة وسباق المختبرات العالمية، تتحول القارة السمراء إلى سوق واعدة لأدوية إنقاص الوزن، لكن ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية يهددان بتحويل العلاج إلى امتياز لا يناله إلا القادرون. ولم تعد شركات الأدوية تنظر إلى أفريقيا لتقدير ما ينقص موائد سكانها فحسب، بل باتت تحصي أيضا ما يتراكم على موازينهم من بدانة؛ ففي مفارقة تختزل تداخل الطب بالتجارة، تتسابق مختبرات عالمية إلى تسويق أدوية تكبح الشهية وتساعد على إنقاص الوزن، فيما تتسع شهيتها هي لسوق يُتوقع أن تنمو مع ارتفاع معدلات السمنة وتغير أنماط العيش والغذاء. وبين الحاجة الصحية المتزايدة والحسابات التجارية للمصنعين، يبرز سؤال أكثر إلحاحا من قدرة هذه الأدوية على خفض الوزن: من يستطيع تحمل كلفتها؟ تسعى شركتا “نوفو نورديسك” الدنماركية و”إيلي ليلي” الأمريكية إلى توسيع حضور أدويتهما المستخدمة في علاج السكري والسمنة خارج جنوب أفريقيا، التي تمثل السوق الأبرز لهما في القارة. وتراهن الشركتان على اتساع قاعدة المرضى المحتملين، وعلى تنامي الطلب على علاجات باتت تحظى باهتمام متزايد عالميا؛ لكن الطريق إلى تحويل هذا الطلب إلى مبيعات مستقرة لا يخلو من العقبات؛ فالحاجة إلى الدواء لا تعني بالضرورة القدرة على شرائه، ولا يكفي ارتفاع عدد المصابين لخلق سوق واسعة إذا ظلت الأسعار بعيدة عن متناول معظمهم. وتكشف جنوب أفريقيا عن حجم الفرصة التجارية التي تراهن عليها الشركات؛ فبحسب شركة “أسبن”، الموزع المحلي لدواء “مونجارو” التابع لـ”إيلي ليلي”، اقترب حجم سوق أدوية “جي إل بي-1″، المستخدمة لعلاج السكري وإدارة الوزن، من الضعف، ليبلغ 2.8 مليار راند، أي نحو 170 مليون دولار، خلال السنة المنتهية في حزيران/يونيو 2026. ولا تمثل هذه القفزة مجرد زيادة في مبيعات فئة دوائية، بل مؤشر على تشكل سوق جديدة تتقاطع فيها الاحتياجات الطبية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية. وتحاول الشركات نقل هذه التجربة إلى أسواق أفريقية أخرى؛ فقد أطلقت “نوفو نورديسك” دواءي “ويغوفي” و”أوزمبيك” في كينيا خلال أيلول/سبتمبر الماضي، وحصلت على ترخيص لتسويق “ويغوفي” في مصر، فيما تقدمت “أسبن” بطلبات لتسجيل “مونجارو” في كينيا ونيجيريا. ويكشف هذا التوسع عن استراتيجية تقوم على دخول أسواق مختارة تدريجيا، بدلا من التعامل مع أفريقيا باعتبارها فضاء اقتصاديا وصحيا موحدا؛ فبين الدول اختلافات كبيرة في أنظمة التأمين الصحي، والقدرة الشرائية، وإجراءات الترخيص، وتوافر الخدمات الطبية.
من التحول الغذائي إلى أزمة صحية
وراء هذا السباق التجاري تحول صحي لا يمكن تجاهله؛ فوفق الأرقام الواردة في البيانات المرجعية للتقرير، ارتفعت نسبة السمنة بين البالغين في الإقليم الأفريقي لمنظمة الصحة العالمية من 8.64 في المئة عام 2010 إلى 12.08 في المئة عام 2022. وتشير تقديرات مستندة إلى توقعات “الأطلس العالمي للسمنة 2025” إلى احتمال تجاوز عدد البالغين المصابين بالسمنة في دول الإقليم الـ47 نحو 105 ملايين شخص بحلول عام 2030، مقابل 36 مليونا عام 2010. وهذه التقديرات تخص الإقليم الأفريقي لمنظمة الصحة العالمية، ولا تمثل إحصاء شاملا لجميع دول القارة. وتقف وراء هذا التحول عوامل متعددة، من بينها التغير في الأنظمة الغذائية، واتساع المدن، وتراجع النشاط البدني، وسهولة الوصول إلى الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية. ومع انتقال أعداد متزايدة من السكان إلى نمط حياة حضري، تتراجع الحركة اليومية المرتبطة بالأعمال التقليدية والتنقل سيرا على الأقدام، فيما تصبح الأطعمة المصنعة والوجبات الجاهزة أكثر حضورا في الاستهلاك اليومي. لكن اختزال السمنة في الإفراط في الطعام أو ضعف الإرادة الفردية يختزل مشكلة صحية معقدة في أحكام أخلاقية مبسطة. فالسمنة تتأثر أيضا بعوامل بيولوجية ووراثية وبيئية واجتماعية، وبمدى توافر الغذاء الصحي والمساحات المناسبة للنشاط البدني والخدمات الصحية. وتصنفها منظمة الصحة العالمية مرضا مزمنا قابلا للانتكاس، يحتاج إلى متابعة ورعاية مستمرتين، لا إلى نصائح عابرة من قبيل تقليل الوجبات أو مصالحة الميزان. ويمنح هذا التحول الشركات الدوائية فرصة لتوسيع أسواقها، لكنه يضع الحكومات الأفريقية أمام تحدي بناء سياسات وقائية وعلاجية متكاملة، حتى لا يتحول التعامل مع السمنة إلى اعتماد متزايد على أدوية مرتفعة الكلفة، بينما تظل العوامل التي تسهم في انتشارها خارج دائرة المعالجة.
أدوية فعالة.. وليست حلولا سحرية
وتعتمد الأدوية التي تقود السباق الحالي على التأثير في إشارات بيولوجية تنظم الشهية والشعور بالشبع ومستويات السكر في الدم. فالسيماغلوتيد، المادة الفعالة في “أوزمبيك” و”ويغوفي”، يحاكي عمل هرمون “جي إل بي-1″، بينما يستهدف التيرزيباتيد، المادة الفعالة في “مونجارو”، مسارين هرمونيين هما “جي إل بي-1″ و”جي آي بي”. وتساعد هذه العلاجات، لدى المرضى المناسبين، على خفض الوزن وتحسين بعض المؤشرات الصحية، لكنها ليست مستحضرات تجميلية عادية، ولا أدوية يمكن تناولها عشوائيا لملاحقة صورة مثالية للجسد. كما أن ترخيص المنتج لعلاج السكري لا يعني تلقائيا اعتماده لجميع استخدامات إنقاص الوزن؛ إذ تختلف الاستطبابات والجرعات وشروط الاستخدام بحسب المنتج والبلد والجهة التنظيمية المختصة. وتحتاج هذه الأدوية إلى تقييم طبي ومتابعة منتظمة، وقد تسبب آثارا جانبية، من بينها الغثيان والقيء والإسهال والإمساك. كما لا تغني عن التغذية المتوازنة والنشاط البدني، وقد يستلزم العلاج فترة طويلة لدى بعض المرضى، بما يجعل كلفته التراكمية عاملا حاسما في استمراره. وهنا تتجاوز المسألة حدود فاعلية المادة الدوائية إلى شروط الوصول إليها. فالعلاج الذي يحقق نتائج مهمة لدى من يستطيع الحصول عليه بانتظام قد يظل بعيدا عن ملايين المرضى الذين لا تسمح دخولهم بتغطية نفقاته، خصوصا في بلدان تتفاوت فيها مظلة التأمين الصحي وتتحمل الأسر فيها قسما كبيرا من تكاليف الرعاية.
حين يصبح ثمن العلاج أثقل من الوزن
وتكشف الأسعار في جنوب أفريقيا عن حجم هذه المعضلة. فبحسب الأسعار الواردة في البيانات المرجعية للتقرير، تبلغ كلفة أعلى جرعات “ويغوفي” 3746 راندًا لأربعة أسابيع، رغم خفض السعر مرتين. ويعادل هذا المبلغ أكثر من ثلاثة أرباع الأجر الإجمالي الذي يحصل عليه عامل يتقاضى الحد الأدنى القانوني للأجور ويعمل 40 ساعة أسبوعيا، خلال المدة نفسها. وتعني هذه المقارنة أن العلاج قد يستنزف حصة كبيرة من دخل الأسرة، حتى قبل احتساب تكاليف الاستشارات الطبية والفحوص والتغذية المناسبة. وإذا كان المريض يحتاج إلى مواصلة العلاج للحفاظ على نتائجه، فإن العبء لا يتوقف عند شراء العبوة الأولى، بل يتحول إلى التزام مالي متكرر قد يصعب الوفاء به. ومن هنا تنشأ المفارقة الأساسية في السوق الأفريقية: قاعدة واسعة من المرضى المحتملين تقابلها قاعدة أضيق بكثير من المستهلكين القادرين على دفع الثمن. وقد تجد الشركات فرصا تجارية في الشرائح الأعلى دخلا، لكن توسيع الوصول إلى العلاج على نطاق أوسع سيظل مرتبطا بمستويات الأسعار، وتغطية التأمين، وسياسات الشراء والتوزيع، وإمكانات إدراج هذه الأدوية ضمن برامج الرعاية الصحية. ولا تتعلق المسألة بالسعر وحده، بل أيضا بكيفية تحديد المستفيدين. فمع محدودية الموارد الصحية في عدد من البلدان، يبرز سؤال ترتيب الأولويات: هل توجه هذه العلاجات إلى المرضى الذين تستدعي حالاتهم تدخلا طبيا، أم تصبح سلعة استهلاكية مرتبطة بضغط اجتماعي متزايد نحو النحافة؟ إن الإجابة تتطلب إرشادات علاجية واضحة، ورقابة على الوصفات، وتوعية بمخاطر الاستخدام غير الملائم.
معركة التنظيم في مواجهة سوق موازية
وبالتوازي مع التوسع التجاري، تتصاعد التحديات التنظيمية المرتبطة بالمنتجات المركبة التي تحضرها بعض الصيدليات. ففي 14 تشرين الأول/اكتوبر الجاري، أعلنت الجهات المعنية في جنوب أفريقيا مراجعة قواعد التحضير الصيدلاني، وسط مخاوف من تجاوز الاستخدام المخصص لمريض بعينه إلى إنتاج مستحضرات استباقا للطلب التجاري. ومن المنتظر نشر المعايير المعدلة في آذار/مارس 2027. ولا يعني ذلك وضع جميع المنتجات البديلة في فئة واحدة؛ فالدواء الجنيس المرخص، والتركيبة الصيدلانية المحضرة وفق الشروط القانونية، والمنتج المزيف أو غير المطابق للمواصفات، فئات مختلفة من حيث الوضع القانوني وضمانات الجودة. غير أن اتساع الطلب وارتفاع أسعار المنتجات الأصلية قد يفتحان المجال أمام قنوات بيع غير رسمية، تستغل رغبة المستهلكين في الحصول على العلاج بسعر أقل أو من دون وصفة طبية. وقد حذرت الهيئة التنظيمية للمنتجات الصحية في جنوب أفريقيا من منتجات تحتوي، أو تدعي احتواءها، على هذه المواد، بما في ذلك مستحضرات مزيفة أو بدون المواصفات المطلوبة، يجري تداول بعضها عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وتكمن الخطورة في أن المشتري قد لا يعرف حقيقة المادة التي يتناولها أو جرعتها أو ظروف تصنيعها وحفظها، ما يحول البحث عن إنقاص الوزن إلى مخاطرة صحية. وتزداد أهمية هذه المخاوف في الأسواق التي لا تزال فيها الرقابة على التجارة الإلكترونية والأدوية المتداولة عبر الحدود تواجه تحديات. فالتوسع في تسجيل المنتجات وتوفيرها لا يكفي إذا لم يصاحبه نظام فعال لمراقبة الجودة، وتوعية المستهلكين، وملاحقة المنتجات المزيفة، وضمان وصف العلاج وصرفه وفق المعايير الطبية. وبين حسابات المختبرات وميزانيات الأسر، يتحدد مستقبل أدوية السمنة في أفريقيا. فنجاحها لن يقاس فقط بعدد البلدان التي تدخلها أو حجم المبيعات التي تحققها، بل أيضا بمدى وصولها إلى المرضى الذين يحتاجون إليها، وبقدرة الأنظمة الصحية على توفيرها ضمن رعاية مأمونة ومستدامة، من دون إهمال الوقاية وتحسين البيئة الغذائية وتشجيع النشاط البدني. لقد تعلم الطب كيف يتدخل في الإشارات التي تنظم الشهية والشبع، ووجدت الشركات في ذلك فرصة تجارية متنامية. لكن التحدي الأفريقي لا يقتصر على اكتشاف علاج أكثر فاعلية؛ إنه يتعلق أيضا ببناء منظومة تجعل العلاج متاحا وآمنا وعادلا. فخفض الوزن قد يبدأ بوصفة طبية، أما خفض كلفة المرض على المجتمعات فيحتاج إلى سياسات صحية أوسع، حتى لا تتحول أدوية السمنة إلى امتياز للأثرياء في قارة تتسع فيها الحاجة أكثر مما تتسع القدرة على الدفع.