جرم سماوي غامض يحير العلماء.. يتوهج ويخفت منذ عقدين
في اكتشاف يفتح باباً جديداً أمام أسرار الكون، رصد علماء الفلك جسماً غامضاً في مجرة درب التبانة يتصرف بطريقة لم تُشاهد من قبل. فبينما اعتاد الباحثون على تتبع النجوم النابضة والمستعرات التي تتغير سطوعاً خلال ثوانٍ أو أشهر، يبدو أن هذا الجسم يمر بتحولات تمتد لعقود كاملة، ما يجعله أ...
فبينما اعتاد الباحثون على تتبع النجوم النابضة والمستعرات التي تتغير سطوعاً خلال ثوانٍ أو أشهر، يبدو أن هذا الجسم يمر بتحولات تمتد لعقود كاملة، ما يجعله أحد أكثر الأجسام الراديوية غرابة التي عُثر عليها حتى الآن.
جسم غير مألوف على أطراف المجرة
يحمل الجسم اسم VT J1906+0849، ويقع خلف ذراع "نورما-الدجاجة" الحلزونية الخارجية لمجرة درب التبانة. ويتميّز بإصداره موجات راديوية شديدة السطوع تتغير بمرور الزمن، وفق تقرير لموقع Science Alert استند إلى دراسة منشورة في مجلة The Astrophysical Journal.
وكتب الباحثون بقيادة جيسي ميلر من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أن المصدر يمثل "ظاهرة راديوية عابرة داخل المجرة ظلت ساطعة راديويا لنحو عقدين، مع تغير مستمر في خصائص طيفها الراديوي ودون دلائل واضحة على تمددها".
بداية اللغز
ظهر الجسم لأول مرة في بيانات جُمعت عام 2017 ضمن مشروع المسح السماوي للمصفوفة الكبيرة جداً (VLASS)، حيث تبين أنه ألمع مصدر راديوي عابر اكتُشف في ذلك المسح، رغم أنه يقع على مسافة لا تقل عن 49 ألف سنة ضوئية من الأرض.
فيما أثار هذا السطوع الاستثنائي تساؤلات لدى العلماء حول طبيعة الجسم وما إذا كان قد ظهر في أرصاد سابقة من دون أن يلفت الانتباه.
وبالعودة إلى بيانات رصد أقدم، وجد الباحثون أنه لم يكن هناك أي أثر له عام 1996. لكن بحلول عام 2005 بدأ يظهر تدريجياً، ثم ازداد سطوعه خلال السنوات التالية ليبلغ ذروته عام 2014.
ثم عندما رُصد في 2017 بدا وكأنه يتلاشى بعد بلوغ الذروة، إلا أن منحنى تغير سطوعه كان غريباً بما يكفي لدفع العلماء إلى مواصلة مراقبته.
مفاجأة جديدة في 2025
حصل الباحثون على أرصاد إضافية في أعوام 2019 و2024 و2026، فضلاً عن بيانات من 2025.
في البداية بدا أن الجسم يواصل الخفوت تدريجياً، لكن في أواخر عام 2025 حدث ما لم يكن متوقعاً، إذ أظهرت بيانات جديدة أنه عاد إلى التوهج والسطوع مجدداً بدلاً من الاستمرار في التلاشي. بينما لم يكن ذلك السلوك الغريب الوحيد.
طيف راديوي يتحدى التفسيرات
يعتمد الفلكيون على دراسة سطوع الأجسام عند ترددات راديوية مختلفة لفهم طبيعتها.
وفي حالة VT J1906+0849 يرتفع الإشعاع الراديوي إلى ذروة عند تردد معين ثم ينخفض، غير أن هذه الذروة تحركت بطريقة غير معتادة.
ففي عام 2019 كانت عند نحو 1.9 غيغاهرتز، ثم هبطت إلى نحو 0.8 غيغاهرتز عام 2024، قبل أن ترتفع مجدداً إلى نحو 2.2 غيغاهرتز بحلول 2026.
وعادة ما تتغير هذه الذروة وفق نمط متوقع عندما يتمدد سحابة من الجسيمات المشحونة في الفضاء، لكن الجسم الغامض لا يبدو أنه يتمدد بالشكل المعتاد، رغم التغيرات الكبيرة في سطوعه وطيفه الراديوي.
هل يقف ثقب أسود وراء الظاهرة؟
طرح العلماء عدة تفسيرات محتملة لهذا السلوك. وأحد الاحتمالات أن يكون الجسم ناتجاً عن انفجار نجمي من نوع "نوفا"، غير أن هذا التفسير لا ينسجم مع غياب دلائل التمدد.
كما جرى النظر في احتمال أن يكون سديماً تغذيه الطاقة الصادرة عن نجم نابض، إلا أن التغيرات المعقدة في الترددات الراديوية لا تتوافق مع هذا السيناريو.
فيما يبقى التفسير الأكثر إثارة أن يكون النظام يحتوي على ثقب أسود أو نجماً نيوترونياً يسحب المادة من نجم مرافق له.
مع ذلك، فإن هذا الاحتمال يواجه عقبة مهمة، إذ لم ترصد مشاهدات تلسكوب "سويفت" التابع لناسا الأشعة السينية القوية التي يُفترض أن تنتج عن عملية ابتلاع المادة.
شبيه محتمل بجسم شهير
يرى الباحثون أن الجسم قد يشبه النظام المعروف باسم SS 433، وهو أحد أغرب الأجسام في مجرتنا ويُعتقد أنه يتكون من ثقب أسود أو نجم نيوتروني يدور مع نجم مرافق.
وفي هذا النوع من الأنظمة تُقذف كميات كبيرة من المادة إلى الفضاء على هيئة نفاثات رفيعة ورياح كثيفة، ويمكن لهذه الرياح أن تحجب الأشعة السينية الصادرة من مركز النظام.
وإذا كان VT J1906+0849 يعمل بالطريقة نفسها، فإن التفاعل بين النفاثات والجسيمات المحيطة قد يفسر التغيرات الراديوية الغريبة ويمنع المادة من التمدد بحرية.
كما دعمت أرصاد بالأشعة تحت الحمراء هذا الاحتمال، بعد رصد غاز يتحرك بسرعات تقارب ألفي كيلومتر في الثانية، بما يتوافق مع تدفقات مادية قوية.
لغز ما زال مفتوحاً
رغم أن فرضية وجود ثقب أسود أو نجم نيوتروني تبدو واعدة، يؤكد العلماء أن الأدلة الحالية غير كافية لحسم طبيعة الجسم.
كما سيحتاج الأمر إلى مزيد من الرصد والدراسة لمعرفة ما إذا كان VT J1906+0849 نسخة شابة من النظام SS 433 أو جسماً أكثر غرابة لم يسبق للعلماء أن شاهدوا مثله.
ويقول الباحثون إن هذا الاكتشاف يبرز قدرة المسوحات الراديوية واسعة النطاق على كشف فئة من الأجسام الكونية الخفية التي يصعب رصدها بوسائل الرصد الأخرى.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.