تخطّي إلى المحتوى
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
عاجل
باتشيكو: علينا تجاوز خسارة النصر والتركيز على المستقبل كلوب يكشف عن فريقه المفضل في كلاسيكو برشلونة وريال مدريد ملياردير تركي ينفذ وعد نجله بالوقوف بجانب محمد صلاح في طرابزون مترو موسكو يكشف عن إنجازات تحديث البنية التحتية منذ مطلع 2026 فلسطين تنتقل للتوقيت الشتوي منتصف الليلة رونالدو يسجل هدفين ويعود للتألق أمام الفيصلي محمد الهدار يحصد برونزية 100 متر ويكسر الرقم الآسيوي في «آيتشي-ناغويا 2026» توقعات الذكاء الاصطناعي: لامين جمال يتصدر قائمة المرشحين للكرة الذهبية 2026 دي لا فوينتي يمدح ميسي لكنه يرفض ترشيحه للكرة الذهبية هالة فاخر تثير الجدل بإطلالة جديدة دون حجاب باتشيكو: علينا تجاوز خسارة النصر والتركيز على المستقبل كلوب يكشف عن فريقه المفضل في كلاسيكو برشلونة وريال مدريد ملياردير تركي ينفذ وعد نجله بالوقوف بجانب محمد صلاح في طرابزون مترو موسكو يكشف عن إنجازات تحديث البنية التحتية منذ مطلع 2026 فلسطين تنتقل للتوقيت الشتوي منتصف الليلة رونالدو يسجل هدفين ويعود للتألق أمام الفيصلي محمد الهدار يحصد برونزية 100 متر ويكسر الرقم الآسيوي في «آيتشي-ناغويا 2026» توقعات الذكاء الاصطناعي: لامين جمال يتصدر قائمة المرشحين للكرة الذهبية 2026 دي لا فوينتي يمدح ميسي لكنه يرفض ترشيحه للكرة الذهبية هالة فاخر تثير الجدل بإطلالة جديدة دون حجاب

شرفة تتسع لكل الغائبين

كدت أسأله عمّا يعرفه عن إطارات الطائرات، لكنه أشار إلى المساحة الممتدة أمامنا وقال: «ليس من أجل الطائرات، بل من أجل العظام. إذا مرّت الطائرات فوقنا، فلا أريد أن تتكسر عظامنا مرة أخرى».

23 أكتوبر 2026 19 د للقراءة 8
شرفة تتسع لكل الغائبين

انتقلت حديثاً إلى بيت جديد في المزة. أخبرني السمسار أن البيت «سوبر ديلوكس»، ويعرف السوريون العائدون إلى بلادهم معنى هذه العبارة جيداً. بيت له سقف وشبابيك تكاد تكون معلّقة في أماكنها، وهذه مواصفاته الفاخرة. أما الشرفة فهي، بحسب السمسار، «سياحة نياحة»، وهي وحدة قياس سورية للمساحات، لا علاقة لها بالمتر المربع، وإنما بسعة خيال السمسار وقدرته على مدّ ذراعيه أثناء الشرح.

كان الرجل يتحدّث عن البيت بحماسة شخص اكتشف عقاراً في سويسرا، لا شقة تحتاج إلى نجار وكهربائي وسبّاك. فتح إحدى النوافذ، فانفصل مقبضها واستقر في يده. نظر إليه قليلاً، ثم وضعه على الطاولة وأخبرني بأن هذه «تفاصيل بسيطة». وحين سألته عن الرطوبة في الجدار، قال إنها قديمة، كما لو أن قِدَمها يمنحها صفة أثرية تستوجب الحماية. لكن الشرفة كانت مصدر فخره الحقيقي. وقف عند بابها ومدّ ذراعيه، ثم أعلن أنني أستطيع استقبال عشرين ضيفاً من دون أن أشعر بالازدحام. نظرت إلى المساحة الصغيرة، ولم أجد متسعاً لعشرين فنجان قهوة إلا إذا وضعنا الفناجين بعضها فوق بعض.

في أول صباح لي في البيت، حملت فنجان قهوتي السادة وخرجت إلى الشرفة. كانت فيها طاولة مستديرة وكراسٍ تتزاحم حولها، وسياج حديدي يفصلني عن امتداد واسع من الأرض الترابية. حاولت أن أجد زاوية أرى منها المدينة من دون أن تصطدم قدمي بقائمة الطاولة. وضعت الفنجان، وسحبت الكرسي، ثم مددت ساقيّ فاصطدمت بشيء لم أتبيّنه. حرّكت الكرسي قليلاً، فاصطدمت بشيء آخر. رفعت رأسي، فوجدت شاباً في العشرينيات يقف إلى يميني ويحاول الإمساك بالشمس. لم يكن يرفع يديه ليحتمي من الضوء؛ كان يقرب إبهامه من سبابته، ويغلق بينهما على القرص المضيء، ثم يفتح كفه بحذر ليتأكد مما أمسكه. وإلى جواره وقف رجل خمسيني يتفحص معصمه الأيسر، وينظر إلى مكان ساعة غير موجودة. ينقر معصمه بإصبعه، ثم يرفع رأسه كمن يقارن توقيتين لا يتفقان. وعلى الكرسي المقابل جلست امرأة ترتدي ثوباً طويلاً وشالاً فاتح اللون، تحاول عقد طرفيه تحت ذقنها، وتعيد المحاولة كلما أفلت أحد الطرفين، كأنها على موعد مهم خارج البيت.

التفتُّ إلى الخلف، فوجدت أشخاصاً آخرين قرب الباب الزجاجي: رجلاً مسناً يمسك نظارته من إحدى ذراعيها، وفتاة تحتضن كتاباً صغيراً، وآخرين لم أستطع تمييز ملامحهم. بدا المكان ممتلئاً بطريقة لا يفسرها قياس الشرفة ولا عدد الكراسي. قلت للشاب: «صباح الخير، هل يمكنك الابتعاد قليلاً حتى أتمكن من الجلوس؟». لم يجب. كررت السؤال، فأنزل يديه ونظر إليّ مبتسماً. حرّك شفتيه، لكنني لم أسمع شيئاً. أشار إلى الرجل الواقف بجانبه، فتقدم الأخير وأخذ يحرك أصابعه أمام صدره. لم أكن أعرف لغة الإشارة، فحاولت أن أقلد إحدى حركاته، فتوقف الرجل ونظر إلى أصابعي باهتمام، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وبدأ من جديد، ببطء هذه المرة. وحين لم أفهم، أشار نحو الجهة المقابلة للشرفة، وفعل الآخرون الشيء نفسه.

كان مطار المزة العسكري أمامي، بأسواره ومنشآته القديمة، وأرض ترابية واسعة تنتهي عند أبنية بعيدة في الأفق. وعلى أحد الجوانب ظهرت أجزاء من داريا، بغرف مكشوفة وجدران لم يعد بعضها متصلاً بشيء. ظننت أن ضيوفي ربما كانوا أصحاب البيت، فقد سمعت عن أراضٍ في محيط المطار حُرم أصحابها منها. لعلهم عادوا ليتفقدوا منزلهم القديم، أو ليروا ماذا فعل المستأجرون بالشرفة. شعرت بالحرج؛ فما زالت الصناديق في الصالون، ولم أحفظ أماكن مفاتيح الكهرباء، وها هم أصحاب البيت المحتملون يجدونني أشتكي من ضيق شرفتهم. سألت الرجل الخمسيني: «هل كنتم تسكنون هنا؟». هز رأسه نافياً. رسم بكفيه باباً كبيراً، ثم أغلقه بحركة حادة وأشار إلى المطار. أما الشاب فضمّ معصميه أحدهما إلى الآخر. لم أعرف إن كان يخبرني بما حدث له أم يحاول تصحيح سؤالي.

لم يكونوا أصحاب البيت الذين عادوا ليتفقدوه، ولا جيراناً أخطأوا في رقم الشقة. بدأت أفهم أن الباب الذي يرسمه الرجل لا يفتح على صالون أو مطبخ. كانوا ممن اقتيدوا إلى المطار وانقطعت أخبارهم عند أبوابه، هكذا أحضرهم خيالي إلى شرفتي، من دون أن أعرف مصائرهم. لم أكن أعرف أسماءهم، لكن حركات أيديهم أعادت إليّ حكايات سمعتها من ناجين، وأحاديث عائلات ما زالت تبحث عن أحبائها. قلت للمرأة إنني سأحضر القهوة، فأومأت برأسها. دخلت المطبخ لأجلب فناجين إضافية، ثم بقيت أمام الخزانة أحاول تقدير العدد. كلما أحصيت ضيوفي، تذكرت وجهاً آخر لم ألحظه من قبل. عدت بصينية صغيرة ووضعتها على الطاولة المستديرة. أفسحوا لها مكاناً بصمت. لم يمد أحد يده إلى القهوة، لكنهم نظروا إلى الفناجين كأنهم يعرفون تماماً لماذا أحضرتها. كانت الفتاة تقف قرب الباب، تشدّ كتابها إلى صدرها. أشرت إلى الكرسي الخالي، فجلست على طرفه، ولم تضع الكتاب على الطاولة. حملت فنجاناً آخر واقتربت منها، فهزّت رأسها شاكرةً، ثم نظرت إلى الصفحة التي كانت أصابعها تحفظ موضعها. لم أسألها عمّا تقرأه. كان في وسعي أن أسأل عن اسم الكتاب، أو عن سبب وقوفها مع هؤلاء الأشخاص، لكنني لم أرد أن أستقبلهم بأسئلة. يكفي ما فعلته الأبواب التي جاؤوا منها.

تذكرت السمسار الذي أخبرني أن الشرفة تتسع لعشرين شخصاً. للمرة الأولى منذ استئجار البيت، اكتشفت أنه لم يبالغ، بل أخطأ في الحساب.

في الأيام التالية، انشغلتُ بتفريغ كراتين الانتقال. كنت أفتح صندوقاً بحثاً عن كتاب، فأعثر على ملاعق، وأفتح آخر بحثاً عن الملاعق، فأجد أوراقاً قديمة. لم أعد أمضي في الشرفة وقتاً طويلاً كما فعلت في صباحي الأول، لكنني كلما مررت بها أزحزح الكرسي قليلاً لأترك ممراً قرب الباب، وأضع على الطاولة فنجاناً إضافياً من دون أن أعرف لمن سيكون. لم يكن ضيوفي سبب انشغالي عنها. كان المطار، الذي رأيته يوم استأجرت البيت مجرد مساحة مفتوحة وراء السياج، قد أصبح حاضراً حتى في اللحظات التي لا أنظر فيها إليه. فكرت في ستارة تحجب الإطلالة، ثم عدلت عن الفكرة؛ فالمشكلة ليست في ما يدخل من النافذة. ذات صباح انعكس جزء من السور في زجاج الباب، وتذكرت صور المطارات التي درستها في طفولتي: طائرات بيضاء، ومسافرون يلوّحون، ومضيفات يبتسمن ابتسامات واسعة. لم يذكر الكتاب المدرسي أن إنساناً قد يدخل مطاراً في سوريا من دون تذكرة، ثم تمضي سنوات ولا تعرف أسرته أين صار.

حملت حكايات المطار معي في بلدان كثيرة، وكنت أظن أن المسافة تمنح المرء شيئاً من القدرة على احتمالها. أما الآن فأراه وأنا أنشر الغسيل أو أزيح كرسياً بعيداً عن الباب. وحين أغلق الباب الزجاجي، تظل الأرض هناك، منعكسة في الزجاج إلى جوار وجهي.

في أحد الصباحات، تخيلت أن عند بوابته مكتباً للاستعلامات. خلف الزجاج يجلس موظف يرتدي ربطة عنق، وأمامه حاسوب، وفوق رأسه شاشة تعرض مواعيد الوصول والمغادرة. على الباب لافتة كتب عليها: «نحن في خدمتكم». يقف أمام الموظف رجل يحمل صورة ابنه، ويسأله عن المكان الذي نُقل إليه بعد اعتقاله. يطلب الموظف رقم الرحلة، فيشرح الرجل أن ابنه لم يسافر. يسأله عن رقم الحجز، فيفتح الأب ملفه ويخرج الأوراق التي جمعها خلال سنوات البحث، لكن الموظف يعتذر، فالنظام الإلكتروني لا يقبل الطلبات من دون رقم.

ينتقل الرجل إلى مكتب آخر، فيخبره الموظف الثاني أن عليه العودة إلى المكتب الأول. يعود، فيجد أن الموظف غادر لتناول الغداء. يجلس على كرسي بلاستيكي وينتظر، ويخرج من ملفه صورة ابنه في المدرسة الابتدائية، ثم صورة له في مناسبة عائلية، ثم أحدث صورة التُقطت له قبل اعتقاله. وحين يعود الموظف، يطلب منه تعبئة استمارة جديدة. يصل الأب إلى خانة «تاريخ المغادرة» ويتوقف. لا يعرف ماذا يكتب، فابنه لم يغادر بإرادته، ولم تحصل العائلة على إشعار يحدد تاريخ خروجه أو المكان الذي نُقل إليه. يسأل الموظف إن كان يستطيع ترك الخانة فارغة، فيجيبه بأنها إلزامية، وأن الحاسوب يرفض الانتقال إلى الصفحة التالية ما لم تُملأ جميع الحقول. يحاول الرجل شرح المشكلة، لكن الموظف يصر على أن الأمر خارج صلاحياته؛ فقد صُمم البرنامج بهذه الطريقة، ولا يستطيع موظف بسيط مخالفة تعليمات الحاسوب.

يعود الأب ومعه الملف نفسه، وقد أضافت إليه المعاملة ورقة تحمل تاريخاً وختماً جديدين. يضعها فوق الصور، ويغلق الملف بحرص.

أراه عند البوابة بعد انتهاء الدوام. يخرج هاتفه، ويفتح اسم زوجته، ثم يقف متردداً أمام زر الاتصال. ماذا سيقول لها؟ إن الموظف طلب رقماً آخر؟ إنها تنتظر في البيت منذ الصباح، وقد تركت مكاناً لابنها في حديثها عن العشاء. يضع الهاتف في جيبه ويمشي ببطء، حريصاً على ألا تنثني الأوراق التي رتّبها قبل خروجه. من شرفتي أتابع الرجل وهو يبتعد عن البوابة حتى يغيب عن نظري. أرفع فنجاني، فأجد القهوة قد بردت.

في اليوم التالي، رأيت الرجل الخمسيني واقفاً عند السياج الحديدي، ينظر إلى معصمه كما يفعل كل صباح. أخرجت ساعة قديمة من أحد صناديق الانتقال، ووضعتها قرب فنجانه على الطاولة. تفحّصها قليلاً، ثم أعادها ورفع معصمه الخالي. مساءً، اكتشفت أن الساعة تحتاج إلى بطارية. حرّكتها قرب أذني، وقررت أن أبحث عن بطارية في اليوم التالي. لكنني حين استيقظت لم أذهب إلى المحل.

غبت عن سوريا سنوات طويلة، وحين عدت اكتشفت أن المدن لا تنتظر أحداً كي تتغير. بعض البيوت التي عرفتها اختفت، وبعض الشوارع اتسعت، والأطفال الذين كنت أحملهم بين ذراعي صاروا أطول مني. نظرت إلى الرجل الواقف عند سياج الشرفة وفكرت في الأعوام التي ربما كان سيمضيها مع أهله. ربما أصبح جدّاً يختلف مع أحفاده حول الوقت الذي يمضونه أمام الهواتف، ثم يطلب من أحدهم أن يشرح له كيف يرسل صورة إلى مجموعة العائلة. وربما صار يحتاج إلى نظارة يضعها فوق رأسه ثم يمضي نصف النهار يبحث عنها.

أفكر في شخص يعود إلى منزله بعد غياب طويل، فيمد يده نحو مفتاح الكهرباء فلا يجده في موضعه القديم، ثم يرى الطفل الذي كان يحمله بين ذراعيه وقد صار شاباً يعرض عليه حمل حقيبته. أعدت الساعة إلى الدرج، وبقي مكانها فارغاً على الطاولة. وفي الصباح، حين خرجت بفنجان القهوة، كان الرجل ما زال قرب السياج. هذه المرة لم ينظر إلى معصمه فوراً. التفت أولاً إلى جهة داريا، فاتّبعت نظره. خلال تلك الأيام صار بيننا قاموس صغير، لا أعرف إن كان يشبه لغة الإشارة التي يتعلمها الناس حقاً. أشير إلى الممر فتفهم المرأة أنني أفسح لها الطريق، ويرفع الرجل كفه فأفهم منه أن أنتظر قبل أن أدفع الطاولة. كنت أخطئ كثيراً، وأعيد الحركة بعد أن يصححها لي أحدهم. لم نكن نتبادل الحكايات، لكنني بدأت أعرف متى أفسح لهم الطريق ومتى أترك فناجينهم في أماكنها.

من شرفتي تظهر أجزاء من داريا خلف الأرض المفتوحة. بعض الأبنية فقد طوابق كاملة، وفي بعضها إطار نافذة بقي معلّقاً على جدار منفرد. حاولت مرة أن أعرف من بعيد إن كانت إحدى الغرف مطبخاً أم غرفة نوم، ثم شعرت بسذاجة المحاولة؛ فالغرف لا تحتفظ ببطاقاتها التعريفية بعد القصف. كنت أنشر ملاءة بيضاء على الشرفة، وأحاول تثبيت طرفها بمشبك لا يكفي لمقاومة الهواء. تخيلت امرأة على أحد أسطح داريا قبل سنوات تؤدي العمل نفسه، وابنها الصغير يصرّ على مساعدتها ثم ينشغل بحمامتين تحومان قرب خزان الماء. هنا ملاءة تتشبث بالمشبك، وهناك شرفة لا أعرف إن كان حبل غسيلها ما زال موجوداً.

أتخيل أماً تنهض باكراً لتحضير الفطور لأولادها، وتنادي ابنها الذي يبحث عن دفتر المدرسة تحت الوسادة فيما يتهم إخوته بإخفائه. وفي بيت آخر، رجل مسن يجلس تحت عريشة عنب، يحمل مسبحته ويهدد الأولاد كل صيف بأنه سيقطع العريشة إذا قطفوا العنب قبل نضجه، مع أنه هو من زرعها وظل يسقيها سنوات. يمكن أن نحصي في صورة البناء الطوابق التي سقطت، لكن الصورة لا تخبرنا مَن كان يستعير السكر من جيرانه، ولا أين كانت العائلة تخبئ مفتاح الباب الاحتياطي. وعند باب دار، شاب يصلح دراجته، بينما يجلس أخوه الأصغر على الدرجة الأولى من السلم ويتولى مهمة تقديم الأدوات، فيعطيه المفكّ عندما يطلب الكماشة، ويعود الأب إلى البيت ليؤكد لهما أن الدراجة لن تعمل بهذه الطريقة. ربما لم يكن هؤلاء موجودين على النحو الذي أتخيله. لكن من الصعب أن أنظر إلى نافذة مهدّمة وأصدق أنها لم تكن تطل، ذات يوم، على مشاغل صغيرة كهذه.

ذات مرة، تقدّم بيت من بيوت داريا بشكوى إلى المحكمة، مطالباً بالتحقيق في جريمة هدمه. استدعاه القاضي إلى قاعة الجلسات، وطلب منه أن يصف لحظة القصف. لكن البيت بدأ بالحديث عن العائلة التي كانت تسكنه، وعن نافذة لم يكن أحد يحسن إغلاقها، وعن الأطفال الذين كانوا يتنافسون على الجلوس بجانب المدفأة، وعن الأب الذي كان يصلح المصباح المعطل كل أسبوع فيتعطل مجدداً يوم الجمعة. قاطعه القاضي وأخبره أن المحكمة تحتاج إلى معلومات دقيقة عن الجريمة، لا إلى تاريخ الأسرة. حاول البيت أن يشرح أن هذه التفاصيل هي كل ما يستطيع تذكره، وأنه لم يكن يراقب السماء انتظاراً للطائرات، وإنما كان مشغولاً بإيواء سكانه وحفظ أغراضهم من المطر والبرد. طلب القاضي من الكاتب أن يدوّن في المحضر أن البيت لم يُجب عن السؤال، ثم سأله عن رقم العقار. لم يعرف البيت الرقم؛ فقد كان يعرف أسماء سكانه والأشجار المحيطة به وأصوات الناس الذين عاشوا داخله، لكنه لم يحتفظ بنسخة من السجل العقاري. أُجلت الجلسة إلى حين استكمال الأوراق، وخرج البيت من المحكمة من دون أن يعرف إلى أين يذهب، فالمكان الذي يستطيع العودة إليه كان قد هُدم منذ سنوات.

رفعت بصري قليلاً، فعاد المطار إلى المشهد. كانت داريا تسمع المروحيات في سنوات القصف، وكانت البراميل المتفجرة تهبط على بيوت عرفت قبل ذلك أصواتاً أخرى: غلايات الشاي، ونقاشات الجيران، وصياح الأطفال في الساحات. أتخيل امرأة أطفأت النار تحت إبريقها وحملت طفلها إلى الغرفة الداخلية، ورجلاً أعاد مفتاح بيته إلى المسمار قرب الباب بعدما كان يستعد للخروج لشراء الخبز. أحياناً تنقطع الحياة عند أصغر حركة؛ يظل الإبريق حيث تركناه، والخبز في المحل، ولا نعرف إن كانت اليد التي أطفأت النار ستعود لإشعالها. بقيت عند السياج أنظر إلى أرض المطار، ثم إلى أبنية داريا المهدّمة خلفها. حتى هنا، في البيت الذي انتقلت إليه منذ أيام، لم أجد طريقة لأرى أحد المكانين بمعزل عن الآخر.

في إحدى الأمسيات، وضعت أصيص ريحان صغيراً على حافة الطاولة المستديرة. وضعته قرب مقعدي لأستنشق عبقه وأنا أشرب قهوتي، لكن الهواء سبقني به إلى السياج. وأنا أزيل ورقة ذابلة، تذكرت ما نُشر في أيلول/ سبتمبر 2026 عن تحديد المركز السوري للعدالة والمساءلة موقعين داخل المطار يُشتبه في أنهما مقبرتان. لم أكن أعرف ما الذي تخفيه تلك الأرض. بقيت كلمة «قد» معلقة في رأسي، ثم تخيلت امرأة تصل إلى بوابة المطار وفي يدها باقة ريحان، وتسأل الحارس أين تستطيع أن تضعها.

يقول لها الحارس إن المكان لم يُفتح بعد للزيارة، وإنهم يخشون أن يضيع شيء مما يحاولون العثور عليه إذا دخل الناس إليه. تفهم المرأة، وتسأله فقط إن كان يستطيع أن يحتفظ بالباقة حتى تنتهي أعمال البحث. ينظر إلى الريحان ثم إلى البوابة. وفي مخيلتي يظهر خلفه موظف من زمن الدوائر القديمة، رجل يحتاج إلى بند في دفتر التعليمات حتى يضع شيئاً على الطاولة. يقلب أوراقه، فيجد تعليمات عن الحقائب والصناديق، ولا يعثر على كلمة واحدة عن الريحان. يقول إنه سيكتب إلى الإدارة. تنتظر المرأة، ثم تطلب باقتها وتعود بها. لم تكن تريد الدخول أو إفساد البحث. كانت تريد أن تترك شيئاً لابنها، ولو عند باب لا تعرف ما وراءه.

في بيتها، تضع المرأة الباقة في كأس ماء قرب النافذة، وتغيّر الماء صباحاً وتقص أطراف السيقان. لا تعرف إن كان ابنها حياً أم فارق الحياة، ولا أين ينبغي أن تذهب لتجد خبراً عنه. تفتح خزانته أحياناً، وتنظر إلى قميص بقي مطوياً منذ سنوات. تتردد حتى في اختيار الفعل حين تتحدث عنه: هل تقول «كان يحب الريحان» أم «يحب الريحان»؟ تعلمت في المدرسة أن الأزمنة ثلاثة، لكنني لم أتعلم زمناً لمن ينتظرون خبراً لا يأتي.

عدت إلى أصيص الريحان على الشرفة، فوجدت بجانبه حقيبة صغيرة من أغراض الانتقال. فيها مفاتيح لا أتذكر أي أبواب كانت تفتحها، وصور وأوراق احتفظت بها خلال سنوات الغربة. أخرجت مفتاحاً كبيراً ثقيلاً، ووقفت أتأمله؛ لا بد أن أحدهم كان يطمئن حين يتحسّسه في جيبه. خرجت الأشياء التي بقيت في بيوت غاب أصحابها معاً إلى الطريق: أحذية تمشي من دون أقدام، ودفاتر مدرسية ترفرف صفحاتها، وقمصان تتمايل من غير أجساد داخلها. وصلت الأشياء إلى بوابة المطار، وتقدمت المفاتيح أولاً؛ فهي معتادة، بحكم المهنة، أن تتعامل مع الأبواب المغلقة. سألها موظف البوابة عمّن تمثّله، فأجاب مفتاح صدئ بأنه جاء يبحث عن اليد التي كانت تديره في القفل. نظر الموظف إلى القائمة أمامه، فلم يجد اسماً يطابق وصف اليد.

انتظرت الأشياء قرب السور. كان بعض المفاتيح يلمع، وبعضها أكل الصدأ حوافه. أعدت مفتاحي إلى الحقيبة، وأغلقتها من دون أن أرمي شيئاً. على حافة الطاولة بقي الريحان يفوح حين تمر الريح.

حين سمعت أن مطار المزة قد يُخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال، حاولت أن أراه من شرفتي بعد سنوات. صالة انتظار هادئة، ورجال يحملون حقائب صغيرة وحواسيب محمولة، وأحدهم يراجع موعد رحلته للمرة الثالثة، ومقهى يبيع فنجان القهوة بثمن يكفي لشراء كمية محترمة من البن في سوق دمشق. أحببت الفكرة: أن ينتظر الناس طائرة تتأخر، لا باباً لا يُفتح. لكنني كلما تخيلت مبنى الركاب فوق الأرض الترابية الواسعة، بدا لي أن تحت الرسم رسماً آخر يرفض الاختفاء.

رأيت في مخيلتي مهندسين يجتمعون حول شاشة كبيرة. يشرح أحدهم مواقع الممرات والحدائق ومواقف السيارات، ثم يوقفه زميله عند بقعة غير ملوّنة على المخطط. يقول إنها لا تحتمل الجرافات الآن؛ لا بد أولاً من معرفة ما تخفيه. يسأل المهندس إن كان يمكنه نقل موقف السيارات بضعة أمتار. تتغير الخطوط على الشاشة، وتبقى البقعة في مكانها.

يكتب موظف في هامش محضر الاجتماع: «يُراجع لاحقاً»، ويغلق دفتره. ثم تُعرض صور المطار بعد إنجازه: زجاج لامع، وممرات نظيفة، وأشجار صغيرة متساوية الارتفاع. يستطيع الحاسوب أن يضيف ألف شجرة إلى الصورة بنقرة، لكنه لا يعرف كيف يرسم ما قد يكون مدفوناً تحتها.

بعد أيام قليلة من انتقالي، رأيت العمال في البناء المجاور يزيلون حوض زرع كنت قد لاحظته يوم جئت لمعاينة الشقة. أخرجوه في ساعة واحدة، وسوّوا التراب مكانه. وحين نظرت من الشرفة مساءً، لم أجد في موضعه سوى التراب المسوّى. لم يخرج من الأرض سوى جذور ملتفة ومسمار صدئ. نظرت إلى أرض المطار الواسعة المقابلة، وتساءلت عمّا يمكن أن تمحوه الجرافات قبل أن يعرف أحد ما إذا كانت الأرض تخفي شيئاً.

ومع الحديث عن الأرض تذكرت ظني الأول بأن ضيوفي ربما كانوا أصحاب هذا البيت. في معضمية الشام، يطالب أصحاب أراضٍ يقع عليها المطار برفع الاستملاك عنها. وراء هذه المطالب بساتين وبيوت وذكريات لا تتسع لها السجلات. تخيلت رجلاً مسناً يحمل سنداً اصفرّ من كثرة الطيّ، وقد جاء إلى قاعة تعرض صور المشروع الجديد. يقف أمام حديقة مرسومة بالحاسوب ويسأل عن بستان والده. يجيبه أحدهم بأن اللون الأخضر على المخطط مخصص للأشجار. يهز الرجل رأسه؛ لم يكن يسأل إن كانوا سيزرعون أشجاراً، بل عما حدث لشجرة المشمش التي كان يعرفها من انحناءة جذعها، وللجدار القصير الذي اعتاد أن ينتظر فوقه إخوته العائدين من المدرسة. يطوي السند ويعيده إلى جيبه، ويترك المهندسين يختارون نوع الأشجار الجديدة.

يمكن أن تُكتب في محضر الاستلام عبارة «خالٍ من الشواغل»، لكنني كلما قرأتها تخيلت تلك المرأة وباقة الريحان، والرجل الذي أعاد سند بستانه إلى جيبه، وضيوفي الذين لا يطلبون شيئاً على شرفتي. لا أعرف كيف يمكن أن يكون المكان خالياً من كل هذا. وفي الخارج تمتد الأرض واسعة حتى تبدو، من بعيد، صالحة لأي مشروع يتسع له الخيال. أعود إلى الطاولة المستديرة وأحرّك أحد الفناجين قليلاً، لأترك مكاناً لفنجان آخر.

في أحد الصباحات، خرجت إلى الشرفة ولم أجد أحداً. كانت الكراسي في أماكنها، والطاولة المستديرة لا يحمل سطحها سوى فنجاني وأصيص الريحان. استطعت أن أمد ساقيّ بلا حرج. لم أرَ الشاب قرب السياج، ولا الرجل الذي ينظر إلى معصمه، ولا المرأة التي تصلح شالها. في البناء المجاور كان عامل يدقّ شيئاً بمطرقة، وفوقنا بدأ جار بتحريك أثاثه باكراً، وبقي كل شيء في مكانه حين أعدت النظر. انتظرت قليلاً، ثم تناولت قهوتي. للمرة الأولى منذ أيام شعرت بأن صوت الملعقة حين تصطدم بالفنجان عالٍ جداً. بقي فنجان زائد على الطاولة. حملته نحو المطبخ، ثم أعدته من منتصف الطريق، كأنني نسيت شيئاً لم أعرف اسمه. لم يكن فيه أثر قهوة؛ فأنا لم أرَ أحداً منهم يشربها، لكنني اعتدت أن أضعه كل صباح.

منذ عدت إلى سوريا، صرت أرى كيف تستعيد الشوارع عاداتها بسرعة. نمر قرب مبنى كان الجميع يخفضون أصواتهم عند ذكره، فنستخدمه الآن علامة لشرح عنوان محل. نتذمر من الحفر في الطريق، ونختلف على سعر البندورة، ثم نعود إلى بيوتنا، وهذا حقنا. لكنني أخاف أحياناً أن أقول لصديقة تزورني: «انعطفي بعد المطار مباشرة»، وأن تنتهي الجملة عند هذا الحد. هل يتحول المكان إلى علامة طريق بمجرد أن نعتاد المرور به؟ نظرت إلى الكرسي المقابل، ولم يكن هناك أحد لأسأله.

في تلك الليلة، دفعت الطاولة قليلاً نحو الجدار، وجمعت الأوراق اليابسة من الأرض، ثم حملت الكرسي الإضافي لأدخله إلى الصالون. توقفت عند الباب. كان الكرسي خفيفاً، ولا يحتاج وجوده في الخارج إلى تفسير، فأعدته إلى مكانه. مررت أصابعي على السياج الحديدي البارد قبل أن أغلق الباب الزجاجي. لم تنقص الشرفة سنتيمتراً واحداً، لكنني لم أفرح بالمساحة التي استعدتها.

هذا الصباح، خرجت إلى الشرفة حاملة فنجان قهوتي السادة، فوجدت أحد ضيوفي ينتظرني قرب السياج. وضعت فنجاني على حافة الطاولة، وبدأت أحرك أصابعي مرحبة به. كنا، خلال الأيام الماضية، قد ابتكرنا لغة صغيرة تجمعنا، حتى إنني صرت أحياناً أسبقه إلى الحركة التي يريدها. وكنت أفكر في إضافة لغة الإشارة إلى سيرتي الذاتية، بوصفها المهارة الوحيدة التي اكتسبتها في بيت «سوبر ديلوكس»، حين فاجأني الرجل وقال بصوت واضح: «صباح الخير».

تراجعت خطوة، فاصطدمت بالطاولة وكاد الفنجان يسقط. سألته كيف تكلم فجأة بعد كل هذه الأيام، لكنه أشار نحو المطار. قال إنه يتمنى أن يصبح مكاناً يسافر الناس منه ويعودون إلى بيوتهم. ثم طلب مني أن أنقل إلى من سيعيدون بناءه طلباً صغيراً.

قال: «أريدهم أن يستخدموا إطارات أكثر ليونة للطائرات. إطارات تتحمل وزنها، لكنها لا تضغط كثيراً على الأرض».

كدت أسأله عمّا يعرفه عن إطارات الطائرات، لكنه أشار إلى المساحة الممتدة أمامنا وقال: «ليس من أجل الطائرات، بل من أجل العظام. إذا مرّت الطائرات فوقنا، فلا أريد أن تتكسر عظامنا مرة أخرى».

نظرت إليه، ثم إلى المطار، ولم أجد ما أقوله. اقترب خطوة، وخفض صوته، وأضاف: «لقد جرّبنا تكسّر العظام من قبل».

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
التغطية الأصلية الكاملة لدى daraj.media - feed زيارة المصدر
بيرلا حمود موهبة جديد في أدب الطفل: «لغز الألوان» بالعربية والفرنسية ثقافة وفنون

بيرلا حمود موهبة جديد في أدب الطفل: «لغز الألوان» بالعربية والفرنسية

بيروت – « القدس العربي»: وقعت الكاتبة والرسّامة الشابة بيرلا حمود كتابها الأول «لغز الألوان» والذي صدر باللغتين العربية والفرنسية، ضمن فعاليات معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت مؤخراً. يتضمن قصة تُعنى بأدب الأطفال، كتبتها بيرلا ابنة السابعة عشر من العمر، ورسمت لوحاتها بأسلوب يجم...

منذ ساعة
أوركسترا النور والأمل تبصم حفل ختام الجونة السينمائي بلحظات استثنائية ثقافة وفنون

أوركسترا النور والأمل تبصم حفل ختام الجونة السينمائي بلحظات استثنائية

تحت أضواء مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة، لم تكن الموسيقى مجرد خلفية لاحتفال، بل كانت بطلة المشهد حين صعدت عازفات "أوركسترا النور والأمل" إلى مسرح توزيع جوائز "سينه جونا"، ليملأن المكان بسحر نغماتهن العالمية التي تفاعل معها الجمهور بحرارة بالغة، معكس...

منذ ساعتين
الموسيقى تمنح الطعام مذاقاً ألذ ثقافة وفنون

الموسيقى تمنح الطعام مذاقاً ألذ

كشفت دراسة دنماركية أن الاستماع إلى الموسيقى أثناء تناول الطعام قد يعزز استجابة الدماغ للمذاق.

منذ 3 ساعات
42 فناناً مصرياً يرسمون «الثرثرة» في معرض «اللقطة الواحدة» ثقافة وفنون

42 فناناً مصرياً يرسمون «الثرثرة» في معرض «اللقطة الواحدة»

ينطلق معرض «ثرثرة» لمجموعة «اللقطة الواحدة» بمصر من فكرة «الرغي البصري» بوصفه مرتكزاً فنياً وجمالياً.

منذ 3 ساعات