يُعد الخطاب استراتيجية معرفية ومنهجاً تطبيقياً يهدف إلى سبر أغوار النصوص واستكشاف مقاصدها وتوجهاتها. وتتنوع مسارات هذا المنهج وفقاً للمرجعيات التي يتبناها الناقد، حيث يتحول الخطاب إلى فضاء معرفي يمارس سلطة فكرية وجمالية على الأعمال الأدبية بمختلف تصنيفاتها، كاشفاً عن حمولاتها الأيديولوجية، وإشاراتها الوجودية، وتحولات الذات الإنسانية في سياقها التاريخي.
وتبرز أهمية تحليل الخطاب في قدرته على خلق مسافة فاصلة بين النص ومعناه، مما يسمح بتجاوز أدوات النقد التقليدي عبر الغوص في طبقات النص لاستخراج الدلالات المضمرة والمسكوت عنه، وفك شفرات الكينونة البشرية. وبذلك يصبح الخطاب وسيلة إقناعية وحجاجية تهدف إلى تحليل البنى العميقة ومساءلة توجهاتها لتحقيق وعي شامل بالعمل الأدبي.
وتتجلى قيمة هذا المنهج في قدرته على تحليل الرواية تحديداً، نظراً لاتساع عالمها في تمثيل الواقع السياسي والتاريخي وصراعات الخطابات المتضادة. وفي هذا السياق، يأتي كتاب «دراسات في الخطاب» للناقدة نور الهدى باديس، الذي يقدم دراسات معمقة تجمع بين الموروث والمعاصر لتحقيق موضوعية تواصلية في التعامل مع النصوص باختلاف عصورها. وتنطلق باديس من إيمان راسخ بأن «النص الأدبي أو الفكري مهما كان كاتبه، ومهما كان العصر الذي ينتمي إليه، لا يحييه ولا يذكي المعنى فيه إلاّ فعل القراءة».
وقد طبقت الناقدة هذه الأدوات المعرفية على رواية «فوضى الحواس» للكاتبة أحلام مستغانمي، حيث عملت على تفكيك شفرات النص وكشف الصراعات الداخلية والمعاني الخفية. وتركزت القراءة على تصادم الذات الأنثوية مع القيم الأيديولوجية الموروثة وهيمنة النسق الذكوري الذي يمارس القمع والتهميش ضد المرأة، مما يعكس صراعاً بين المركز والهامش في ظل واقع المجتمعات الشرقية المأزومة.
ومن خلال تحليلها، سلطت باديس الضوء على العنف المستبطن الذي يتشربه الفرد من محيطه وسياقه التاريخي حتى يصبح مقبولاً، مشيرة إلى أن هذا النوع من العنف لا يكشفه إلا من يفكك النصوص ويبحث عن المضمر، وهو ما لخصته بقولها: «العنف الذي يتشربه الإنسان من محيطه ووضعه وسياقه التاريخي ولغته والأخيلة التي تعمّر تلك اللغة، فيتحول إلى عنف مستبطن مقبول يكاد لا يعنيه أحد إلاّ الذي يفكّك تلك النصوص ويبحث عن المضمر المندس فيها، الذي يوجهها من غير ان ينتبه إليه أحد، وهو درجة من العنف متطوّرة أردنا أن نكشف النقاب عنها، مساهمة في علاج مجتمعاتنا وعلاقاتنا المختلفة بما نعتقد أنّه أليف محايد».
وقدمت الناقدة نموذجاً في فهم الخطابات الروائية، موضحة أن العنف لا يقتصر على الجانب الجسدي، بل يمتد ليشمل العنف الرمزي، وعنف اللغة، وعنف التقاليد والمنحى الأيديولوجي. ورصدت باديس التناقضات التي تحيط بشخصية «حياة»، معتبرة أن اسمها يرمز لحياة معقدة وملتبسة. وأكدت أن مأساة «حياة» ليست مجرد قضية نسوية، بل هي مرآة تعكس أزمات المجتمع برمته وانكساراته القيمية والسياسية.
وتلخص الناقدة مضمون الرواية في سيرة «حياة» ومعاناتها، خاصة في زواجها من رجل عسكري يتبنى قيم التملك، بينما تمثل الكتابة بالنسبة لها أداة لإثبات الذات والمقاومة. وترى باديس أن الكتابة هنا هي تحدٍ وكينونة، حيث تقول: «فالكاتبة قادرة على أن تروّض بالكتابة العوالم المستعصية، بل المخفية المرعبة التي تعيشها، والتي تلفّ واقعها، باعتبار الكتابة مهرباً وملاذاً وتعويضاً عمّا لا يسمح به الواقع، وظفراً بما سلبته في علاقاتها الاجتماعية المتوتّرة المبنية على منطق الفحولة الذكورة».
وختاماً، تميزت مقاربة نور الهدى باديس بالشمولية، حيث لم تحصر أزمة «حياة» في الجانب الجندري فقط، بل ربطتها بأزمة وجودية كلية، كاشفة عن المسكوت عنه في كافة مظاهر الانكسار. ورغم ذلك، تصف الناقدة الذات المبدعة بأنها تتحرك ضمن قيود الثقافة والتاريخ واللغة، حيث يكون الخطاب أحياناً مستلباً لقوى خفية تعمل ضد إرادة التحرر التي تؤمن بها الكاتبة، مما يجعل من جهود باديس في هذا الكتاب إضافة نوعية في تحليل الخطابات بأبعادها المعرفية والجمالية.