يواجه الاقتصاد السوري معضلة تمويلية بين سد عجز الموازنة وتجنب موجة تضخم جديدة، ومع تقدير عجز موازنة 2026 بنحو 1.8 مليار دولار، تتجه الحكومة إلى إصدار أدوات دين محلية خلال النصف الثاني من العام الجاري، في محاولة لتأمين التمويل من السوق بدلاً من الاعتماد على التمويل النقدي، لكن نجاح الخطوة يتوقف على قدرة الدولة على استعادة الثقة وضبط الإنفاق.
سوق يحتاج إلى الثقة
رأى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، في تصريح خاص لـ«الوطن»، أن بناء سوق دين محلي يتطلب إنشاء منحنى عائد مرجعي تدريجياً، وإصدار أدوات بالليرة السورية تتناسب أحجامها مع قدرة السوق على استيعابها، بما يتيح تعبئة المدخرات من دون مزاحمة القطاع الخاص على التمويل.
وأكد أن تمويل الحكومة من السيولة المتاحة لدى المصارف والشركات والأفراد، بدلاً من الاقتراض المباشر من المصرف المركزي الذي يوفر نقوداً جديدة، يمكن أن يحد من الضغوط التضخمية، كما يدعو إلى إعطاء الأولوية للصكوك المرتبطة بأصول ومشروعات منتجة، بدلاً من توجيه الأموال إلى النفقات الجارية.
قبل الاقتراض
وأشار محمد إلى أن نجاح سوق الدَّين يتطلب تعزيز استقلالية المصرف المركزي، وتطوير أدوات إدارة السيولة، إلى جانب الانضباط المالي والشفافية في نشر بيانات الدَّين الحكومي واستخدامات الأموال، كما يستدعي استكمال الأطر التشريعية لإصدار السندات والصكوك وتداولها، وإنشاء سوق ثانوي يتيح للمستثمرين تسييل استثماراتهم.
وحذر من تركز الأصول المصرفية في الدَّين الحكومي، لما قد يسببه من مخاطر على سلامة المصارف وتمويل الأنشطة الخاصة، مشدداً على ضرورة تقييم أوضاع القطاع المصرفي وإعادة هيكلته لاستعادة ثقة المودعين.
التسلسل هو الأساس
وخلص محمد إلى أن التوجه نحو أدوات دين محلية غير تضخمية يمثل خياراً استراتيجياً صحيحاً، لكن نجاحه مرهون بتوافر الثقة والمؤسسات القادرة على ضمان الاستخدام الكفؤ للأموال والسداد في مواعيده. لذلك، ينبغي أن يبدأ الإصلاح بالاستقرار النقدي، ثم تعزيز الرقابة والانضباط المالي، وصولاً إلى تطوير سوق الدَّين، لأن بيع السندات ليس التحدي الأصعب، بل إقناع المستثمرين بأن أموالهم لن تتحول إلى عبء جديد على الاقتصاد.