على مر التاريخ البشري، سعى الإنسان لفرض النظام على التعقيد الهائل للكون وطبيعته الخاصة، فابتكر نظريات وقوانين تمنحه شعوراً بالسيطرة وطمأنينة أمام قوى الطبيعة المدمرة ك الزلازل والأعاصير، وأمام الأمراض التي تفتك بالأحباء. وقد أُسندت مهمة الاستكشاف والتأمل للفنانين والأدباء والفلاسفة، بينما طُلب من العلماء وضع القواعد الحاكمة. وبنجاحهم في صياغة قوانين طبيعية فعالة، واكتشاف مسببات الأمراض والطفرات الوراثية، تعاظم طموحهم نحو التوسع في مجالات جديدة والاختزال في معادلة واحدة تضم أكبر عدد من الظواهر. لم يتردد العلماء في اقتحام مناطق لم يُتصور خضوعها للقواعد، ولا ندري إن كان ذلك ممكناً أو مرغوباً، غير أن المحاولات مستمرة حتى مع مفاهيم يستحيل القبض عليها رياضياً كالشعر والجمال. من بين المحاولات العديدة لتفسير الجمال، برزت النسبة الذهبية (Golden Ratio) كعادلة جذابة منذ ما قبل الميلاد وحتى عصر التصميم المعاصر، وادعت قدرتها على تفسير ظواهر طبيعية وتجارب بصرية جمالية واسعة، من الأعاصير والحلزونات إلى الأهرامات واللوحات. في الفترة بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، انشغل النحوي والرياضي الهندي أشاريا بينغالا (Acharya Pingala) بالحصر المنهجي لأوزان الشعر، وحوّل التوليفات المقطعية إلى متتاليات رياضية، تماماً كما يمكن ترجمة بحور الفراهيدي العربي إلى سلاسل من المتحركات والسواكن. البيت «طويل له دون البحور فضائل» بوزنه «فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن» يصبح تمثيلاً بحروف متحركة وساكنة: “//ه/ه //ه/ه/ه //ه/ه //ه/ه/ه”. هنا نوعان من المقاطع: القصيرة “/“ والطويلة “/ه”. السؤال الذي شغل علماء الهند هو عدد الاحتمالات الممكنة لتوليفات المقاطع في بيت شعري. لو خلت اللغة من قواعد، لكان عدد الاحتمالات 2^n، لكن قواعد اللغة وموسيقاها تستبعد توليفات مستحيلة صوتياً كعشر متحركات متتالية. وضع العروضيون دوائر لتسهيل حصر البحور، وأخذ دائرة «المختلف» مثالاً، فهي تضم ثلاثة بحور خليلية (الطويل، المديد، البسيط) وبحرين مهملين (المستطيل، الممدد). من القواعد: لا يبدأ بيت بساكن، ولا يجتمع ساكنان، وتعتمد الأوزان على المقاطع الصوتية لا الكتابة. المقطع الطويل “/ه” = متحرك + ساكن، والقصير “/“ = متحرك. بحور المختلف تُبنى من أسباب “/ه” وأوتاد “//ه”، وكل شطر يحوي 10 توليفات. باستبعاد التوليفات التي تحوي ثلاث متحركات متتالية “///“، تظهر متتالية الاحتمالات: 2، 4، 6، 10، 16، 26، ... حيث كل حد يساوي مجموع الحدين السابقين، وهي متتالية فيبوناتشي (Fibonacci sequence) التي أعاد عالم الرياضيات فيبوناتشي تقديمها بعد نحو 1400 سنة من تأسيس بينغالا، وتعبر عنها الدالة f(n) = f(n-1) + f(n-2). أرقام فيبوناتشي الشهيرة تبدأ بالصفر: 0، 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، 34، 55، 89، 144، ... وتتميز بجمال هندسي ينتج حلزوناً بديعاً، ويُزعم أنها تظهر في كل ما يجده البشر جميلاً. بينغالا لم يصغ أفكاره في قوالب دالية حديثة، لكنه أسس لنظام العد الثنائي (binary system) الذي قامت عليه الحواسيب، ويُرجح له الفضل في إدخال الصفر إلى الرياضيات. هنا تكمن علاقة ساحرة بين الشعر والموسيقى والرياضيات، لكنها تصبح خطيرة حين تُتوج هذه المعادلة معياراً وحيداً للجمال. في ستينيات القرن التاسع عشر، درس الألماني غوستاف فِشنر (Gustav Fechner) العلاقة بين المحفزات الخارجية والإدراك النفسي، وأجرى تجربة عرض فيها مستطيلات متفاوتة الأبعاد، فخلص إلى أن المستطيل المرسوم وفق النسبة الذهبية هو الأكثر جاذبية، مؤسساً لفكرة تناسب رياضي خاص يجذب البشر في الطبيعة والوجوه، ويمكن امتلاكه عبر إخضاع الأعمال الفنية له أو عبر جراحات التجميل. صمدت الفكرة رغم دحضها لاحقاً؛ فعند إعادة التجربة في القرن العشرين، تبين أن تفضيل المستطيل الذهبي جاء من موقعه بين المستطيلات لا من جماله الذاتي، وببعثرتها يفقد جاذبيته. النقد الجوهري هو اعتبار النسبة الذهبية معياراً للجمال، مما يقيد حرية الفنان ويجعله يمتثل لعناصر لوحته لتلك النسبة. وبمنطق مماثل، هناك من يفسر اللوحات والوجوه بلغة المثلثات، لكن هذه المحاولات اليائسة لا تمنح تفسيراً شافياً للذهول أمام جمال الطبيعة أو الفن، ولا تنقذ من سحر النغمة التي تخطفنا. الأدب والفلسفة يرفدان العلوم بأفكار محفزة، غير أن هناك بوناً في التعامل معها: التأملات الإنسانية تُقبل للنقاش، بينما تُمنح المعادلة الرياضية والبحث التجريبي سلطة خاصة وتُمدد لمناطق جديدة. كان يمكن لمتتالية فيبوناتشي أن تبقى في موطنها تفسر نمط بذور تبّاع الشمس أو هرم أوراق اللعب، لكن التجار يستغلونها لتسويغ أسعار اللوحات أو عمليات التجميل. نوف السعيدي كاتبة وباحثة في مجال فلسفة العلوم
الرياضيات في الشعر: من متتالية فيبوناتشي إلى النسبة الذهبية
الباحثة نوف السعيدي تستعرض علاقة الشعر بالرياضيات عبر تاريخ الهند وألمانيا، موضحة كيف تحولت متتالية فيبوناتشي والنسبة الذهبية إلى معايير للجمال.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.