بمزيج من الشغف والمثابرة، استطاع المصور الفلكي الهولندي كورنيليس فان زايلن ابتكار لوحة فسيفسائية تضم 110 أجرام سماوية من فهرس ميسييه الشهير. وقد استغرق هذا العمل 352 ساعة و13 دقيقة من عمليات جمع الضوء، مما اضطره لقضاء فترات طويلة بعيداً عن مسكنه.
وتستعرض هذه اللوحة تشكيلة متنوعة تشمل عناقيد نجمية متلألئة، وسدماً غازية تشهد ولادة النجوم، بالإضافة إلى مجرات تبعد ملايين السنين الضوئية، مما يوفر رؤية بصرية مذهلة لأبرز الأجرام التي يمكن رصدها عبر التلسكوبات المتوسطة والصغيرة.
انطلقت شرارة المشروع في عام 2024، حين قام فان زايلن بتصوير عنقود الثريا (M45) مستخدماً كاميرا فلكية مبردة مخصصة للأجرام الخافتة، وهو ما دفعه لاحقاً لتوثيق كافة أجرام فهرس ميسييه في مهمة استمرت قرابة عام ونصف.
اعتمد المصور في عمله على تلسكوبين من طرازات مختلفة، مع استخدام مرشحات ضوئية وكاميرات فلكية متخصصة، ثم قام بمعالجة البيانات والصور عبر برنامجي "بكسلنسايت" و"فوتوشوب" لإبراز التفاصيل الدقيقة ودمجها في إطار واحد.
واجه فان زايلن تحديات كبيرة أثناء التنفيذ، خاصة وأنه عمل في هولندا حيث تعيق السحب والتلوث الضوئي والمباني عمليات الرصد الفلكي.
وبينما التقط جزءاً كبيراً من الصور من شرفة منزله في بلدة هايلو، اضطر للتوجه إلى مناطق ريفية مفتوحة لتجنب العوائق الأرضية والأشجار، لضمان رؤية واضحة للأجرام التي تظهر في مستويات منخفضة من الأفق.
ووصل الأمر ببعض رحلاته إلى المبيت داخل سيارته بجوار معدات الرصد، وذلك لضمان استكمال جلسات التصوير وجمع أكبر كمية ممكنة من الضوء القادم من أعماق الكون.
وأوضح المصور أن تلك الليالي لم تكن مرهقة، بل اعتبرها تجارب تخييم ممتعة. كما أشار إلى أنه لم يخصص مساحات متساوية لجميع الأجرام في اللوحة، بل منح بعضها مساحة أكبر بناءً على تفضيله الشخصي أو لارتباطها بذكريات خاصة من رحلاته.
ويعود أصل فهرس ميسييه إلى القرن الثامن عشر، حينما وضع عالم الفلك الفرنسي شارل ميسييه قائمة بالأجرام الضبابية التي قد تسبب ارتباكاً لراصدي المذنبات.
فقد كان ميسييه يسعى لاكتشاف المذنبات، لذا قام بتوثيق مواقع البقع الضوئية الثابتة في السماء لتمييزها عن الأجرام المتحركة وتسهيل عملية البحث.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الفهرس إلى مرجع أساسي للهواة، لتصل قائمته المعتمدة إلى 110 أجرام، من أبرزها سديم الجبار (M42)، ومجرة المرأة المسلسلة (M31)، وعنقود الثريا (M45).
وتتنوع هذه القائمة بين أجرام تقع ضمن مجرة درب التبانة، وأخرى تمثل مجرات مستقلة تبعد عنها مسافات شاسعة.
تتجلى قيمة عمل فان زايلن في دمج هذه العناصر المتباينة في تكوين بصري واحد، مما يسمح بمقارنة ألوان وأشكال السدم والمجرات والعناقيد، كما يقدم دليلاً ملموساً لهواة التصوير الفلكي على الإمكانات التي يمكن تحقيقها بالمعدات المتاحة إذا توفر الصبر والتخطيط.
وبهذا، تحولت القائمة التي صُممت قبل أكثر من مائتي عام لتفادي الخلط بين المذنبات والأجرام الثابتة إلى معرض فني يجسد جمال وتنوع الكون.