يطوف بنا الشاعر يوسف الزدجالي في ديوانه «أغنيات المحبة القصوى» الصادر عام 2008م عن وزارة التراث والثقافة بالسلطنة، عوالم الحُلم الممتدة التي اتّخذت من ألفاظ القصيدة ودلالاتها ميداناً واسعاً لالتقاء الرومانسية بالحُب. تتشكّل قصائد هذا الديوان معبّرة عن الاشتغال الرومانسي المتعالق مع دلالات الحُبّ والعاطفة والشعور الأخّاذ، مستلهماً من الطبيعة صُوراً متفاعلة مع تلك الدلالات ومتقاطعة مع الروح البشرية في علاقاتها الإنسانية مع الآخر.يتشكّل الديوان من 19 قصيدة شعرية اشتغل الزدجالي على ملامح بنائيتها الشعرية؛ إذ تمازجت الدلالات بين الرومانسية المتشكّلة وبين تقاطعات الحلم والحُب والفقد. ويحاول معها الشاعر تشكيل فنيات الصورة، والتعبير الحالم بالخيال والمجاز، فتأتي قصائد هذا الديوان متآلفة مع رومانسية الطبيعة التي تتشكّل ملامحها داخلياً مانحة إياها تقنية شعرية متحركة في زوايا القصيدة:أحلامٌ من النسيانرؤياكَالمطلةُ ههنا..فتحسّس الآتيالرحيقَودوزن الأفكارَفي رؤياكَكيتلدَ العواصفَ.رؤياكَقمحٌمورقُ القسماتِتذروهُ الرياحُإلى بلادٍلم تكنْ لكَ..فانتبه..إن جاورتْكَ،وحاورتْكَ.رؤياكَحلمكَفاتجهْ، نحو الرياحِلتستجدّ،وتستعد..بتلك المجازات يبتكر الزدجالي صُوَرَه الشعرية ويرسم مساراً لفنيات قصائده الشعرية؛ إذ إنّ الحب/ المحبة مفتتح مهم لبدء الكلام، ومحاورة للمجاز المتشكّل في أبجديات الكلام الشعري:رؤياكَ ممطرةٌتفجّرُ في سمائكفسحةً للحبواضحةًكأيديناوغامضةًكحلم الأنبياء..يُقدّم لنا يوسف الزدجالي نفسه في هذا الديوان واحداً من شعراء جيل الشباب الذين برزوا بداية الألفية الجديدة، فكان ديوانه هذا صورة قدَّمت شاعرية جديدة لديه؛ باشتغاله على الرمز، والخيال، وتكوينه صُوراً شعرية تخدم الفكرة التي يطرقها، تُحيلنا قصائد مثل (تودّد، وقندیل ورد، وميلاد، وبعض قناديل... للريح، وأغنية باردة، ومنام) على الاشتغال الفني البديع في ديوانه، فقد استطاع من خلالها المزج بين الخيال العالي وبين فلسفة الكلمة التي تضمر فكرة جامعة للنص.فجاءت النصوص على قدر عالٍ من التّخيّل الشّعري الجامع الممتزج بأحلام الحزن والولع والشوق والغياب، نقرأ النصوص فنعثر على لغة مكتنزة بالألم والغياب والعاطفة الجامعة بين الحزن والحُب، كما تظهر تفاصيل الحُب والحُلم مكتنزة في نصوص هذه المجموعة. يقول في قصيدته (تودّد):لماذا أشكّلُ في داخليغيمةً للكلاموأنتِ التيطرّزت للقصائد زرقتَهاولماذاأعودُ إلى أول الليلفي كل رفة حلمٍ..وأنت التي أوجدتْ للرموشالتسابيحوانفطرتْفي دخان الوريدِ.تميل لغة القصائد في تشكّلها إلى الجمال اللفظي، ليتشكّل الأسلوب من وهج الرومانسية المشرق، وتتحرّر الألفاظ من قيودها المعجمية إلى سلاسة العبارة وتعبيرها الصادق. ينسج الشاعر من حروف الشعر وجمال اللغة معجمه الرومانسي في قصيدة (ميلاد)، فنجده يمزج بين الطبيعة الثائرة: (البحر، والغيمة، والغابة، والسماوات، والأفق، والخريف) وبين دلالات العشق والجمال: (القلب، والسّكّر، والعاشق، والعينين، والحُلْم، والحب، والأغاني، والشوق).تُقدّم القصيدة هذا التمازج في إطار متحرك هادئ، تتشكّل منه صورة ثائرة لعاشق يؤرقه الميلاد الأول في سماء الحب؛ لذا نجده يتنقّل بين الحقول الدلالية المعبّرة عن الذات، فمرّة يتحدّث بلسان العاشق، ومرة بلسان الشاعر، وتأخذنا الدلالة إلى جهات مكانية متخيلة، كالبحر والحلم وسماء القصيدة:ولدتِكما يولدُ البحرُفي قلبِ صفصافةٍكما ينبتُ السكّرُ المخمليُويكبرُفي كف عاشقوُلدتِفكانت سماء القصيدةأكبرُ من غيمةٍ لا نراهاوأكبرُمن ومض وحي الشاعرولدتِفكانت سماء القصيدة تكبرُحول انتشائي بعينيكأنا غابة خلقتها السماواتكي تعرجين إليهافهيا إلى الحلمحطي رداء انتمائي نحو البنفسجكوني دم القلبكوني كما كنتأول قافية تتوارى إليها قصيدةحب.يتحرك الخطاب الرومانسي الموجه إلى الأنثى مُشكّلاً لحظة اصطدام لغوي مقترن بالأنا والآخر، فما بين لفظة (أنا وأني) نجد حركة المشاعر تتحرك إلى المخاطب الأنثى (ولدتِ، كوني) مكونة علاقة اقتران بين طرفي ذاكرة ممتدة بين الماضي والحاضر، بين الحب والشوق والوداع:أما تدّعينبأنيَ ودعت قلبكمنذ انتباهِفكيف إذا كان وجه القصيدوداع الأغاني؟!وكان انتباهي إليك بقاءْ!ولدتِ كما تعرج الأغنياتُبلحظة شوقوبالأفق أكتب كفيكِأحسب كم مرة في الخريف البعيدكتبتهما كي توزع هذي السماءعليّدموعا... وحلوى؟يتكرّر هذا التمازج في قصيدة (أغنية باردة) التي نجد فيها الحب يتشكّل كعلامة بارزة في الخطاب الرومانسي رغم تحديات الرحيل والانتهاء. وكذلك الحال في قصيدة (منام) التي تعلو فيها اللغة الحالمة، وهذه ظاهرة بارزة في الديوان أن تتشكل دلالات الحُب والحُلم راسمة لحظات الشوق والانكسار والغياب في غير قصيدة معبّرة عن الشوق الدائم واللقاء. ويكرّر الشاعر أساليب الخطاب الموجّه إلى الأنثى طالباً القرب (تعالي)، باحثاً عن لحظة خلود جديدة تذكّره بالماضي الذي كان:تعالي إليّأنا كنت سهوك حين ارتكبتِالمحبةكنت تغاريد حلمكِفرحة هذا المدى القرمزيتعالي..وأطلب من مقلتيك التحاماتعالي أراكِ أنا إذ أموتُ على حافةالحلمِأحلم.. أحلم بالحب في كل حينوهل يعرف الحب إلا الذي كان فيالحلمزهرة دفلىوكان على كل قلب رحيقاوكان تلاحين عمر جديد.في ديوان (أغنيات المحبة القصوى) تعبير دافئ قصده الشاعر باستعمال اللغة في مواطنها الحالمة، لقد بنى أغنياته الدافئة في لحظات التذكّر الطويل، لعلَّ هذا الديوان كان ذاكرة شاعر محملة بفرحة الماضي، وحزن الحاضر. إنّ (أغنيات المحبة القصوى) ديوان لشاعر ترك أثره في المشهد الشعري قبل أن تخفيه الأيام وتأخذه من عالم الشعر، ويغيب عن المشهد الأدبي كحال الكثيرين الذين سرقتهم الحياة وطوتْ قصيدتهم من كتاب الشعر.
«أغنيات المحبة القصوى»... رومانسية تعانق الحلم
يطوف بنا الشاعر يوسف الزدجالي في ديوانه «أغنيات المحبة القصوى» الصادر عام 2008م عن وزارة التراث والثقافة بالسلطنة، عوالم الحُلم الممتدة التي اتّخذت من ألفاظ القصيدة ودلالاتها ميدان...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.