يتزايد الإقبال على تحضير الأطعمة وحفظها منزليًا، سواء للحفاظ على نكهتها أو للاستفادة من المنتجات الموسمية لفترة أطول. ومن الطرق الشائعة غمر الخضار والأعشاب والثوم والفلفل والطماطم في الزيت، وهي طريقة تمنح الطعام نكهة مميزة وقوامًا مختلفًا. لكن هل حفظ الأطعمة بالزيت آمن بحد ذاته؟
الإجابة المختصرة: لا. الزيت وحده لا يُعد وسيلة آمنة لحفظ الأطعمة الرطبة في درجة حرارة الغرفة. فعلى الرغم من أن الزيت يشكل حاجزًا أمام الأكسجين ويساعد على الحد من الأكسَدة والتغيرات في اللون والنكهة، فإنه قد يَخلق في الوقت نفسه بيئة منخفضة الأكسجين، وهي بيئة مناسبة لنمو بكتيريا Clostridium botulinum في بعض الأطعمة المنخفضة الحموضة، وإنتاج السم الوشيقي الذي يسبب التسمم الوشيقي، وهو مرض خطير قد يهدد الحياة.
لذلك، فإن سلامة الحفظ بالزيت لا تعتمد على الزيت وحده، وإنما على التحكم في عوامل أخرى مثل الحموضة، والرطوبة، ودرجة الحرارة، وطريقة المعالَجة والتخزين.
عند غمر الأعشاب أو الخضار أو غيرها من المكونات في الزيت، تَحدث عدة تأثيرات، لكنها لا تعني أن الطعام أصبح محفوظًا وآمنًا تلقائيًا.
يشكّل الزيت حاجزًا يقلل وصول الأكسجين إلى الطعام، ما يساعد على الحد من بعض التفاعلات التي تؤدي إلى الأكسَدة وتغيّر اللون والنكهة والقوام. وهذه الخاصية مفيدة من الناحية الحسية، لكنها ليست وسيلة لتعقيم الطعام؛ فغياب الأكسجين قد يكون عامل خطر في بعض الأغذية إذا توفرت معها بقية الظروف المناسبة لنمو بكتيريا الكلوستريديوم Clostridium botulinum.
يمكن للزيت أن يساعد في حماية قوام بعض الأعشاب والخضار من الجفاف، كما يمكن أن يقلل بعض التغيرات المرتبطة بالتعرض للهواء. ويظهَر هذا بشكل خاص عند تجميد الأعشاب الممزوجة بالزيت، إذ يمكن للزيت أن يساعد في حماية الأنسجة النباتية من الجفاف وحروق التجميد.
تنتقل بعض المركّبات العطرية والمواد المنكّهة من الأعشاب والتوابل إلى الزيت، ولذلك تُستخدم الزيوت المنكّهة على نطاق واسع في الطهي. لكن استخلاص النكهة لا يعني أن الزيت أصبح وسيلة آمنة لحفظ المكونات في درجة حرارة الغرفة.
تكمن المشكلة في الجمع بين ثلاثة عوامل رئيسية: طعام منخفض الحموضة + رطوبة + بيئة منخفضة الأكسجين. فعند غمر مكونات مثل الثوم أو بعض الأعشاب أو الخضار في الزيت، يقل الأكسجين حول الطعام. وإذا كانت هذه المكونات رطبة ومنخفضة الحموضة، فقد تصبح الظروف مناسبة لنمو بكتيريا Clostridium botulinum وإنتاج السم الوشيقي.
بكتيريا Clostridium botulinum تنتشر أبواغها طبيعيًا في البيئة والتربة وعلى بعض المنتجات الزراعية. وفي ظروف معينة، يمكن أن تنمو وتُنتج سمًا عصبيًا شديد الخطورة يشبه حقن البوتوكس التي تشل العضلات. ويمكن أن يؤدي التسمم الوشيقي إلى أعراض عصبية مثل ازدواج الرؤية، وتدلي الجفون، وصعوبة البلع والكلام، وضعف العضلات، وقد يصل في الحالات الشديدة إلى فشل التنفس.
والأهم أن الطعام الملوث بالسم الوشيقي قد لا يبدو فاسدًا بالضرورة من حيث الرائحة أو الطعم أو الشكل؛ لذلك لا يمكن الاعتماد على الحواس وحدها للحكم على سلامته.
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن غمر الطعام بالزيت يقتل البكتيريا. في الحقيقة، الزيت يعمل أساسًا كحاجز أمام الأكسجين، وليس كوسيلة لتعقيم الطعام. ولهذا توصي مراجع سلامة الأغذية بعدم تعليب الخضار والأعشاب منخفضة الحموضة في الزيت وحده، إذ لا توجد وصفات منزلية مختبرة وموثوقة لتعليب هذه المنتجات بالزيت فقط.
الزيت لا يتصرف مثل الماء أثناء المعالَجة الحرارية، ولذلك لا يمكن افتراض أن استخدام حمام الماء المغلي أو التعليب المنزلي المعتاد سيجعل أي منتَج مغمور بالزيت آمنًا. في الأغذية المنخفضة الحموضة، يتطلب التعليب الآمن معالَجة حرارية مناسبة وفق وصفة مختبرة، وقد يكون التعليب بالضغط ضروريًا لبعض المنتجات. ولا ينبغي ابتكار أوقات أو درجات حرارة منزلية من تلقاء النفس.
هناك طرق أكثر أمانًا للاستفادة من الزيت مع الأعشاب والخضار، بدل حفظها في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة.
يمكن لبعض الخلطات المنزلية، مثل الثوم في الزيت، أن تُحفظ في الثلاجة عند 4 درجات مئوية أو أقل، على أن تُستخدم خلال مدة قصيرة.
وبالنسبة إلى الثوم المحفوظ في الزيت تحديدًا، توصي الإرشادات باستخدامه خلال 4 أيام كحد أقصى ثم التخلص منه. أما الزيوت المنكّهة منزليًا التي تحتوي على الثوم أو الأعشاب الطازجة، فينبغي عدم تركها في درجة حرارة الغرفة إلا إذا استُخدمت طريقة تحميض مختبرة ومناسبة.
يمكن خلط الأعشاب بالزيت ووضعها في قوالب صغيرة أو عبوات مناسبة ثم تجميدها. ويُعد التجميد خيارًا عمليًا للحفظ طويل الأجل، كما يساعد الزيت على حماية الأنسجة النباتية من الجفاف وحروق التجميد.
وبالنسبة إلى الثوم في الزيت، تشير إرشادات المركز الوطني لحفظ الأغذية المنزلية إلى إمكانية تجميده للحفظ طويل الأجل، مع اتباع تعليمات التعبئة والتجميد المناسبة.
يمكن استخدام بعض المكونات المجففة مع الزيت، لكن التجفيف يجب أن يكون كاملًا ومناسبًا للمادة الغذائية وطريقة التخزين. فالهدف من التجفيف هو خفض كمية الماء المتاحة لنمو الميكروبات. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن مجرد تجفيف الطعام في المنزل يجعله آمنًا تلقائيًا للتخزين في الزيت في درجة حرارة الغرفة.
يمكن أن تصبح بعض المنتجات أكثر أمانًا عندما تُحمّض بطريقة صحيحة قبل التعليب، لأن انخفاض درجة الحموضة يحد من قدرة بكتيريا الكلوستريديوم Clostridium botulinum على النمو وإنتاج السم.
وتُستخدم درجة pH يبلغ 4.6 أو أقل كحد مهم في سلامة الأغذية المحمَّضة، لكن إضافة كمية عشوائية من الليمون أو الخل لا تضمن الوصول إلى هذا المستوى داخل المنتج كله.
لذلك يجب استخدام وصفة علمية مختبرة تحدد نوع الحمض وكميته وطريقة المعالجة بدل الاعتماد على التقدير الشخصي.
عند التفكير بموضوع حفظ الأطعمة بالزيت ، فمن المهم معرفة أن الزيوت تختلف في النكهة والثبات تجاه الأكسدة، ويمكن اختيار الزيت وفق نوع الطعام وطريقة الاستخدام.
لكن من المهم التأكيد على أن نوع الزيت ليس العامل الأساسي الذي يجعل الطعام آمنًا أو غير آمن.
فزيت الزيتون، أو السمسم، أو الخردل، أو غيرها من الزيوت لا يمكنها بمفردها منع نمو بكتيريا Clostridium botulinum في طعام رطب منخفض الحموضة محفوظ في ظروف غير مناسبة. لذلك لا ينبغي اختيار الزيت باعتباره "مضادًا للبكتيريا" والاعتماد عليه بدل التبريد أو التجميد أو التحميض أو المعالَجة الحرارية المناسبة.
حفظ الأطعمة بالزيت ليس وسيلة تعقيم أو حفظ آمنة بحد ذاته. فالزيت يساعد على تقليل تعرض الطعام للأكسجين ويحافظ على بعض خصائصه ويعزز نكهته، لكنه لا يقضي على البكتيريا. وعندما تُغمر مكونات رطبة ومنخفضة الحموضة بالزيت وتُترك في ظروف غير مناسبة، فقد تتشكل بيئة منخفضة الأكسجين تَسمح بنمو Clostridium botulinum وإنتاج السم الوشيقي.
لذلك، إذا أردت استخدام الزيت مع الأعشاب أو الخضار أو الثوم في المنزل، فالأكثر أمانًا هو التبريد للاستخدام القصير، أو التجميد للحفظ الأطول، أو اتباع وصفة مختبرة للتحميض أو التعليب بدل الاعتماد على الزيت وحده.