مع تزايد الطلب العالمي على الكهرباء والتوجه نحو تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، تبرز مشاريع جزر الطاقة كإستراتيجية بحرية هندسية لتعظيم الاستفادة من طاقة الرياح.
ففي بحر الشمال، تتسارع وتيرة العمل لبناء جزيرة "الأميرة إليزابيث" بتكلفة تجاوزت 4 مليارات دولار، لتكون أول جزيرة طاقة اصطناعية في العالم، بهدف مضاعفة قدرة البلاد الحالية من طاقة الرياح وتشكيل مركز إقليمي ضخم لتوزيع الكهرباء.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مراحل إنشاء الجزيرة، من خلال مطابقة البيانات الهندسية للمشروع مع سلسلة من صور الأقمار الصناعية، لرصد التغيرات على الموقع وتطور الأعمال الإنشائية في الجزيرة التي تقع على بعد نحو 30 ميلا من الساحل البلجيكي، وتمتد على مساحة تبلغ نحو 63 ألف متر مربع
تكشف الصور الفضائية الأولى الملتقطة في 22 و26 أبريل/نيسان 2025 عن بدء النشاط البحري في الموقع المعزول وسط بحر الشمال، حيث تظهر نقاط صغيرة تمثل تجمع السفن والمعدات المتخصصة لبدء أعمال المسح ووضع الأساسات الأولى.
وبحلول 2 مايو/أيار 2025، يصبح النشاط أكثر وضوحا مع تمركز القطع البحرية للبدء في تشكيل القاعدة الأساسية للجزيرة.
مع تقدم الأعمال الهندسية، ترصد صورة 11 يوليو/تموز 2025 ظهور أول هيكل صلب ممتد فوق سطح الماء، ليمثل إحدى الحواف الخارجية للجزيرة.
وفي الصور الملتقطة يومي 9 أكتوبر/تشرين الأول و25 ديسمبر/كانون الأول 2025، يبرز بوضوح تشكيل هندسي على هيئة زاوية قائمة (حرف L)، وهو ما يعكس اكتمال بناء زاويتين من الجدار المحيط بالجزيرة.
واستمرت أعمال البناء في مطلع عام 2026، حيث تُظهر صورتان في 14 يناير/كانون الثاني و28 مارس/آذار ثبات الهيكل وتدعيمه رغم ظروف الشتاء القاسية في بحر الشمال.
ويصل التطور الهندسي إلى مرحلة حاسمة في صورة 1 يونيو/حزيران 2026، حيث يظهر الهيكل الخارجي للجزيرة وقد اتخذ شكلا شبه مكتمل يحاكي مستطيلا مفتوحا من جهة واحدة، تمهيدا لردم التجويف الداخلي.
وبحلول 9 أغسطس/آب 2026، تكتمل اللوحة الهندسية، إذ توثق الصورة الفضائية الإغلاق التام للمحيط الخارجي للجزيرة ليظهر المستطيل كاملا وواضح المعالم وسط مياه البحر. ويُلاحظ تجمع كثيف للسفن حول الهيكل المكتمل لتنفيذ أعمال الردم الداخلي وتجهيز البنية التحتية الكهربائية.
وتكشف أحدث الصور الفضائية عالية الدقة التي التقطتها شركة "بلانت" (Planet) في 5 سبتمبر/أيلول 2026، عن المعالم الهندسية الواضحة للمحيط الخارجي للجزيرة، والذي اكتمل بناؤه على هيئة مستطيل ضخم ومغلق تماما وسط مياه بحر الشمال.
وتظهر الصورة تفاصيل لاستمرار الأعمال الإنشائية، حيث ترصد قطعا بحرية ومعدات تعمل داخل التجويف المائي للجزيرة وبالقرب من جدرانها الخارجية، في خطوة تمهد لعمليات الردم الداخلي وتأسيس البنية التحتية لمركز توزيع الطاقة الإقليمي المرتقب.
ولتوفير الدعم المالي للمشروع، أعلن بنك الاستثمار الأوروبي في 7 سبتمبر/أيلول 2026، منح شركة "إليا" المطورة للمشروع تسهيلا ائتمانيا بقيمة مليار يورو للمرحلة الثانية من المشروع، ليضاف التمويل الجديد إلى تسهيل سابق بقيمة 650 مليون يورو أُقر في 2024 للمرحلة الأولى.
وأوضح البنك أن التمويل الجديد سيغطي أجزاء من البنية الكهربائية، بينها محطة فرعية بجهد 220 كيلوفولتا، ومعدات تحويل وربط، ووصلات التيار المتردد مع البر.
وتُظهِر هذه الخطوة أن المشروع انتقل من التركيز على إنشاء الأساسات والجدران الخارجية إلى تمويل مكونات الشبكة التي ستجعل الجزيرة قابلة للاستخدام بوصفها مركزا لنقل الكهرباء.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع مبلغ 4.2 مليارات دولار المتداول في بعض التقارير بوصفه التكلفة النهائية المؤكدة لجميع مراحل المشروع. فقد أشارت تقارير بلجيكية في سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن التكلفة النهائية الإجمالية لم تعلن، كما أعلنت "إليا" أن المرحلة الأولى وحدها تُقدَّر تكلفتها بنحو 3.6 مليارات يورو، مع بقاء تفاصيل المرحلة الثانية قيد المراجعة.
لا تقوم فكرة جزيرة "الأميرة إليزابيث" على إنتاج الكهرباء بنفسها، بل على استقبال الطاقة التي ستنتجها مزارع الرياح البحرية في المنطقة البلجيكية الجديدة المخصصة لهذا الغرض، ثم تجميعها وتحويلها ونقلها عبر شبكة من الكابلات إلى البر.
ووفقا لشركة "إليا"، صُممت الجزيرة لاستيعاب منشآت كهربائية عالية الجهد، تشمل محطات فرعية ومحولات ومعدات ربط، إضافة إلى كابلات تنقل الكهرباء من مزارع الرياح إلى الشبكة البرية.
ويتيح هذا النموذج جمع الكهرباء في نقطة مركزية بدلا من الاعتماد على وصلات منفصلة لكل مزرعة رياح، كما يهيئ البنية التحتية لإمكانية الربط الكهربائي مع دول أخرى.
وتشير الخطط المنشورة إلى أن منطقة الرياح البحرية "الأميرة إليزابيث" تستهدف إضافة قدرة تتراوح بين 3.15 و3.5 غيغاواطات، بحسب المرحلة والتصميم المعتمد.
ومن شأن هذه القدرة أن توسع إنتاج بلجيكا من الكهرباء البحرية المتجددة، لكن الاستفادة الفعلية منها ستظل مرتبطة بإنجاز مزارع الرياح نفسها، ومد الكابلات، واستكمال تعزيزات الشبكة الكهربائية على اليابسة.
كما تتجاوز أهمية جزيرة "الأميرة إليزابيث" حدود بلجيكا، فموقعها في بحر الشمال يجعلها جزءا من توجه أوروبي أوسع لتطوير شبكات كهرباء بحرية مترابطة، تجمع بين إنتاج طاقة الرياح ونقلها عبر الحدود.
وتدعم مبادرة تعاون طاقة بحار الشمال هذا الاتجاه، من خلال تنسيق تطوير شبكات الكهرباء البحرية والهيدروجين بين الدول المطلة على المنطقة.