تتحمل النساء أعباء إضافية عندما يتراجع الغذاء المتاح للأسرة، إذ يقدّمن في كثير من الأحيان احتياجات أفرادها على احتياجاتهن، عبر تقليل حصصهن أو تجاوز بعض الوجبات، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). ويعيد يوم الأغذية العالمي، الذي يحلّ اليوم، تسليط الضوء على تفاوت يمتد من توزيع الطعام داخل المنزل إلى فرص العمل والأجور والوصول إلى الموارد.
وتشير تقارير أممية إلى استمرار ارتفاع انعدام الأمن الغذائي بين النساء مقارنة بالرجال، في وقت تؤثر فيه الأعراف الاجتماعية والفقر وأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر في قدرتهن على الحصول على غذاء كافٍ ومتنوع.
حين تتراجع حصة النساء
في دليل تعليمي أصدرته الفاو عام 2013 بعنوان "شارة تحدّي القضاء على الجوع"، يرد قسم بعنوان "10 حقائق عن النساء والجوع"، يعرض أوجهاً من التفاوت في الحصول على الطعام ودور النساء في مواجهة الجوع.
وتذكر الحقيقة السادسة أن النساء يكنّ عموماً أول من يضحّي بحصته الغذائية عند وقوع الأزمات، لضمان حصول أفراد أسرهن على ما يكفي من الطعام. وتوضح الحقيقة الخامسة أن التقاليد في بعض البلدان تجعل النساء آخر من يتناول الطعام، بعد الرجال والأطفال.
ويربط الدليل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع مشتريات الأسر الفقيرة باضطرار النساء إلى الاختيار بين إطعام أنفسهن وإطعام أطفالهن، في ظل مسؤولياتهن عن إدارة مؤونة الأسرة وإعداد الوجبات.
وتشمل هذه الأعباء الوقت المبذول في تحضير الطعام، إذ ينقل الدليل عن دراسات استقصائية في بلدان متعددة أن النساء يتحملن ما بين 85 و90 في المئة من الوقت المخصص لإعداده داخل المنازل.
أعراف تحدد من يأكل
تشرح الفاو، في مادتها المرجعية "النوع الاجتماعي والتغذية"، كيف تؤثر الأدوار الجندرية والأعراف الاجتماعية في نوعية الغذاء الذي تحصل عليه النساء والفتيات وكمياته.
فعندما تعاني الأسرة انعدام الأمن الغذائي، يؤدي تقديم احتياجات بقية أفرادها على احتياجات النساء والفتيات إلى تناولهن كميات أقل، أو أغذية أدنى جودة، أو تجاوز بعض الوجبات، بما يزيد تعرضهن للجوع وسوء التغذية.
وتشير المنظمة إلى إعطاء الرجال والفتيان أولوية في تقديم الطعام في بعض المجتمعات حتى حين يكون متاحاً، وإلى ممارسات ثقافية تحدّ من تناول النساء أصنافاً معينة، مثل الخضراوات الطازجة واللحوم وغيرها من الأغذية الحيوانية، خصوصاً خلال الحمل.
ويتداخل ذلك مع محدودية الوصول إلى الأراضي والتمويل والتعليم والتكنولوجيا والخدمات الصحية والحماية الاجتماعية، فضلاً عن أعباء الرعاية والعمل المنزلي غير مدفوع الأجر، التي تقيّد فرص العمل والدخل والمشاركة في القرارات الأسرية.
سوء التغذية وصحة الأمهات
بحسب تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026"، لم تحصل أكثر من ثلث النساء بين 15 و49 عاماً على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، وفق بيانات 2021–2025. ويعني هذا الحد تناول أطعمة من خمس مجموعات غذائية على الأقل خلال اليوم السابق للمسح، بما يساعد على تقييم حصولهن على الفيتامينات والمعادن.
وتشير بيانات الفاو إلى ارتفاع انتشار فقر الدم لدى الفئة نفسها من 27.6 في المئة عام 2012 إلى 30.7 في المئة عام 2023. وتزداد أهمية التغذية خلال الحمل والرضاعة، إذ يرتبط سوء تغذية الأمهات بانخفاض وزن المواليد وتأثر صحة الأطفال ونموهم وقدرتهم على التعلم لاحقاً.
فجوة في الوصول إلى الغذاء
أظهر تقرير "التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة: لمحة عن المساواة بين الجنسين 2026"، الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، أن انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد طال 23.6 في المئة من النساء عام 2025، مقابل 22.7 في المئة من الرجال.
ويتوقع التقرير، في حال استمرار الاتجاهات الحالية، بقاء نحو 1.1 مليار امرأة في دائرة انعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2030، بما يعادل 25.8 في المئة من النساء.
وعلى مستوى سكان العالم، قدّر تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026"، الذي أطلقته خمس وكالات أممية في 21 تموز الماضي، عدد من عانوا الجوع خلال عام 2025 بنحو 645 مليون شخص، أي 7.8 في المئة من سكان العالم.
وواجه نحو 2.1 مليار شخص انعداماً متوسطاً أو شديداً للأمن الغذائي خلال العام نفسه، بنسبة 25.8 في المئة، بينما عجز نحو 2.7 مليار شخص عن تحمّل كلفة نظام غذائي صحي.
ويميز التقرير بين الجوع وبين انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد، الذي يشمل اضطرار الناس، في أوقات معينة، إلى تقليل كمية طعامهم أو التنازل عن جودته بسبب صعوبات الحصول عليه.
أسر تعيلها نساء في سوريا
وفي سوريا، تظهر بيانات الأمن الغذائي تفاوتاً بين الأسر بحسب جنس معيلها. فوفق نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري لعام 2025، التي أعلنتها هيئة التخطيط والإحصاء في 11 كانون الثاني 2026 بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائياً بين الأسر التي تعيلها نساء 12 في المئة، مقابل 18.5 في المئة لدى الأسر التي يعيلها رجال.
وشمل المسح 34 ألفاً و820 أسرة، ممثلة لـ267 ناحية من أصل 272 ناحية، بينها 2429 أسرة في مخيمات النزوح بمحافظات إدلب وحلب والحسكة ودير الزور والرقة، بحسب النتائج التي نقلها موقع تلفزيون سوريا عن وكالة "سانا".
وبلغت نسبة الأسر الآمنة غذائياً، باستثناء المخيمات، 18.4 في المئة عام 2025، مقابل 11.1 في المئة عام 2024. وسجلت الأسر المقيمة في المخيمات نسبة 4.2 في المئة.
وفي المناطق الحضرية وصلت النسبة إلى 19 في المئة، مقابل 16.4 في المئة في الريف. وتباينت بين المحافظات، فبلغت 29.9 في المئة في طرطوس، و27.6 في المئة في ريف دمشق، و21.9 في المئة في دمشق، مقابل 4.2 في المئة في الرقة، و4.6 في المئة في الحسكة، و5.4 في المئة في السويداء.
وتوضح هذه النتائج مستوى الأمن الغذائي للأسرة بحسب جنس معيلها ومكان إقامتها، بينما يحتاج تحديد كيفية توزيع الطعام بين أفرادها إلى بيانات تتناول حصص النساء والرجال والأطفال داخل المنزل.
النساء وأزمة الغذاء في سوريا
ويقدّر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل واستمرار آثار الانهيار الاقتصادي والصدمات المناخية.
ويشير البرنامج، في تقرير نشره في 25 حزيران 2026 بعنوان "الاستجابة للاحتياجات المحددة للأشخاص الذين يواجهون تحديات متزايدة في سوريا"، إلى استمرار صعوبات الحصول على الغذاء ومخاطر الحماية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية لدى النساء والفتيات والنازحين. ويحدد الحوامل والمرضعات والأسر التي تعيلها نساء والناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن الفئات التي تحتاج إلى دعم يراعي أوضاعها واحتياجاتها.
ينتجن الغذاء بأجور أقل
يتزامن يوم الأغذية العالمي مع "السنة الدولية للمزارعة 2026"، المخصصة لإبراز دور النساء في إنتاج الغذاء والعوائق التي تواجههن. وبحسب الفاو، شكلت النساء 42 في المئة من العاملين في النظم الزراعية والغذائية عالمياً عام 2023، من الإنتاج والتصنيع إلى النقل والتجارة.
وتتقاضى العاملات في هذه الأنشطة 78 سنتاً مقابل كل دولار يتقاضاه الرجال. كما تقل إنتاجية الأراضي التي تديرها النساء بنسبة 24 في المئة عن أراضٍ مماثلة المساحة يديرها رجال، وهو تفاوت تربطه المنظمة بالتمييز وصعوبة الوصول إلى التمويل والتعليم والتكنولوجيا.
وتقدّر الفاو أن سد فجوتي الأجور والإنتاجية يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو تريليون دولار، ويخفض عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي بنحو 45 مليون شخص. وتدعو إلى تعزيز حقوق النساء في الأراضي والتمويل وفرص العمل لتحقيق ذلك.