أمراض القلب والأوعية الدموية من أبرز التحديات الصحية التي قد تتطور في الخفاء دون ظهور أعراض واضحة، مما يجعل الوقاية المستمرة أولوية أساسية للحفاظ على صحة القلب والجسم. وفي هذا اللقاء، تسلط االدكتورة مشكاة شحاتة، استشارية طب الأسرة في مركز أوميكس للطب الدقيق (OMICS Precision Health Center) الضوء على أبرز عوامل الخطر الصامتة، ودور الفحوصات الأيضية والجينية المتقدمة، بالإضافة إلى تأثير نمط الحياة والتوتر والعلاقات الاجتماعية على حماية القلب واستدامة العافية.
يمكن أن تتطور العديد من عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل صامت. فقد يكون ارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات الكوليسترول، ومقاومة الإنسولين، والسكري من النوع الثاني موجودة دون ظهور أعراض واضحة. ولذلك، فإن الشعور بصحة جيدة لا يعني بالضرورة أن مستوى خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية منخفض.
هناك عوامل أخرى قد لا يكون الناس على دراية كافية بها، ومنها تراكم الدهون الحشوية حول الأعضاء في منطقة البطن، ومرض الكبد الدهني التنكسي المرتبط بخلل الاستقلاب، وانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، والحالات الالتهابية المزمنة مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والصدَفية والذئبة. كما يساهم التدخين وقلة النشاط البدني والتعرض طويل الأمد لتلوث الهواء في زيادة المخاطر. وبالنسبة للنساء، يرتبط وجود تاريخ مرَضي لتسمم الحمل، أو سكري الحمل، أو انقطاع الطمث المبكر بارتفاع الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من الحياة.
لذلك، للحفاظ على صحة القلب ، تظل الفحوصات الروتينية، مثل قياس ضغط الدم ومستويات الكوليسترول ومؤشرات صحة الأيض، مهمة حتى عندما يشعر الشخص بأنه يتمتع بصحة جيدة تماماً. وقد يكون من المناسب إجراء فحوصات إضافية بناءً على عمر الشخص وتاريخه الطبي والعائلي ونتائج الفحوصات الأولية.
يوفر فحص الكوليسترول التقليدي وقياس ضغط الدم معلومات مهمة، لكننا نحتاج أحياناً إلى التعمق أكثر. فعلى سبيل المثال، يعكس البروتين الدهني (ApoB) عدد الجزيئات الحاملة للكوليسترول والقادرة على دخول جدار الشرايين. كما يُعد البروتين الدهني (a) أو Lp(a) مؤشراً مهماً آخر، نظراً لأن مستوياته تتحدد إلى حد كبير بالعوامل الوراثية، ولا يتم قياسها ضمن فحص الكوليسترول التقليدي. ويمكن لمؤشرات الأيض، مثل الهيموغلوبين السكري (HbA1c) وإنسولين الصائم، أن توفر معلومات إضافية حول استقلاب الغلوكوز ومقاومة الإنسولين، بينما يمكن للفحوصات الجينية الكشف عن حالات وراثية مثل فرط كوليسترول الدم العائلي، إضافة إلى المتغيرات الجينية التي تؤثّر في استقلاب الدهون.
لا تقتصر عملية التقييم على تحاليل الدم. ففي بعض الحالات، قد نأخذ في الاعتبار أيضاً قياس تكلس الشرايين التاجية، أو التصوير المقطعي للشرايين التاجية، أو الموجات فوق الصوتية لفحص الشرايين السباتية، أو فحوصات مثل سرعة موجة النبض (Pulse Wave Velocity) ومؤشر الضغط الكاحلي العضدي. وينبغي تحديد الفحوصات المناسبة وفقاً لحالة كل شخص، بدلاً من تطبيق برنامج فحص موحد على الجميع.
يمكن أن يقدم التاريخ الإنجابي للمرأة مؤشرات مهمة حول احتمال إصابتها بأمراض القلب والأوعية الدموية في المستقبل. فحالات مثل تسمم الحمل وسكري الحمل ترتبط بارتفاع احتمالية الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من الحياة.
كما تمثل مرحلة انقطاع الطمث مرحلة مهمة أخرى، إذ تترافق التغيرات الهرمونية مع حدوث تغيرات في مستويات الكوليسترول، وتوزع الدهون في الجسم، واستقلاب الغلوكوز وصحة الأوعية الدموية. ويرتبط انقطاع الطمث المبكر أيضاً بارتفاع احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ولا يعني أي من هذه العوامل أن المرأة ستصاب حتماً بأمراض القلب والأوعية الدموية، وإنما هي عناصر ينبغي أخذها في الاعتبار إلى جانب ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، والصحة الأيضية، والتاريخ العائلي ونمط الحياة عند تقييم مستوى الخطر الإجمالي.
يَعتمد النظام الغذائي المتوسطي إلى حد كبير على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور، مع اعتماد زيت الزيتون مصدراً رئيسياً للدهون، وتفضيل الأسماك والدواجن عموماً على اللحوم الحمراء والمصنّعة. ويرتبط هذا النمط الغذائي بفوائد على صحة القلب والأوعية الدموية، ويمكن أن يساعد في تحسين مستويات الكوليسترول وضغط الدم والصحة الأيضية.
أما النظام المعروف باسم "داش" (DASH) وهو اختصار لاسمه باللغة الإنجليزية والذي يعني "المنهج الغذائي لوقف ارتفاع ضغط الدم"، فيشترك في العديد من هذه المبادئ، لكنه صُمم تحديداً للمساعدة في الوقاية من ارتفاع ضغط الدم والسيطرة عليه. ويركز على تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة وغيرها من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، مع الحد من الصوديوم والأطعمة الغنية بالدهون المشبَعة والسكريات المضافة.
للحفاظ على صحة القلب برأيي، فإن المنهج الأفضل هو النظام الذي يمكن الالتزام به على المدى الطويل. كما أن النظام الغذائي يعمل بالتوازي مع ممارسة الرياضة، والحصول على نوم جيد، وضبط التوتر النفسي، إلى جانب استخدام الأدوية عند وجود حاجة لذلك. ولهذا يظل نمط الحياة جزءاً مهماً للغاية من الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.
لتعزيز صحة القلب ، أشجّع الناس على الجمع بين التمارين الهوائية، وتمارين القوة، والمرونة، والحركة والتوازن ضمن البرنامج الرياضي الخاص بهم.
وينبغي على البالغين ممارسة ما لا يقل عن 150 إلى 300 دقيقة من النشاط الهوائي متوسط الشدة أسبوعياً، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجات أو السباحة. أن ممارسة النشاط لأكثر من 300 دقيقة أسبوعياً يوفر فوائد إضافية. ويوصى أيضاً بممارسة تمارين تقوية العضلات التي تشمل العضلات الرئيسية مرتين أسبوعياً على الأقل. وينبغي الحد من الوقت الذي يقضيه الشخص في الخمول واستبداله بالنشاط البدني.
بالنسبة للبالغين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، يُنصح أيضاً بإدراج تمارين التوازن والتمارين المتنوعة والشاملة (قوة، توازن، لياقة، مرونة) ثلاثة أيام على الأقل أسبوعياً.
وينبغي تصميم برنامج التمارين وفقاً لاحتياجات كل شخص. وعلى الأشخاص المصابين بأمراض معروفة في القلب والأوعية الدموية أو الأيض أو الكلى، أو الذين يعانونَ أعراضاً قد تشير إلى وجود مثل هذه الأمراض، استشارة الطبيب قبل البدء ببرنامج رياضي.
التوتر من الأمور التي غالباً ما يقلل الناس من أهمية تأثيرها على الجسم. أرى أشخاصاً يحرصون كثيراً على ما يأكلونه ويخصصون وقتاً لممارسة الرياضة، لكنهم قد لا يفكرون في تأثير التوتر المستمر على صحتهم. ويمكن للتوتر النفسي المزمن أن يؤثّر في صحة القلب والأوعية الدموية، من خلال تأثيره في ضغط الدم وفي سلوكيات مثل النوم والنظام الغذائي والنشاط البدني.
كما أن جودة النوم مهمة أيضاً. فقضاء سبع أو ثماني ساعات في السرير لا يعني بالضرورة أن الشخص يحصل على نوم كافٍ ومفيد للجسم، إن كان ينام بشكل متقطع. وتكتسب حالات مثل انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم أهمية خاصة، لأنها قد تمر من دون تشخيص وترتبط بزيادة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
لذلك، ينبغي النظر إلى ضبط التوتر والحصول على نوم جيد باعتبارهما جزءاً من الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، إلى جانب النظام الغذائي وممارسة الرياضة.
يمكن للعوامل الوراثية أن تؤثر في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بطرق لا يمكننا تغييرها. فعلى سبيل المثال، يُعد فرط كوليسترول الدم العائلي حالة وراثية، بينما تتحدد مستويات البروتين الدهني (a) إلى حد كبير بالعوامل الجينية. ولذلك، فإن وجود تاريخ عائلي للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية أو وفاة قلبية مفاجئة في سن مبكرة نسبياً قد يكون سبباً لإجراء تقييم أكثر دقة لمخاطر القلب والأوعية الدموية، حتى عندما يشعر الشخص بأنه بصحة جيدة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا ينصبَّ تركيزنا على الفحوصات والمؤشرات الحيوية إلى درجة تجعلنا نغفل الجانب الإنساني للصحة.
وغالباً ما نركّز على أمور يمكن قياسها، مثل الكوليسترول وضغط الدم والنظام الغذائي وممارسة الرياضة، لكن علاقاتنا وروابطنا الاجتماعية هي أيضاً جزء من صحتنا. فوجود أشخاص من حولنا يمنحونَنا شعوراً بالترابط والدعم يمكن أن يساىهم في تعزيز رفاهنا مع التقدم في العمر، ولذلك أشجع الناس على عدم إغفال هذا الجانب.
أنا استشارية في طب الأسرة، وقد تلقيتُ تدريبي في المملكة المتحدة، حيث تخصصتُ في طب الأسرة، قبل أن أتابع تدريبات متقدمة في طب نمط الحياة والطب الوظيفي. كما حصلتُ على درجتي ماجستير في الصحة العامة، وتقديم الخدمات الصحية والوقاية من الأمراض في المملكة المتحدة والدنمارك، وهو ما ساهم في ترسيخ اهتمامي بالوقاية والنظر إلى الصحة من منظور أكثر شمولية.
وعلى مدار 16 عاماً الماضية، تركّز عملي بصورة متزايدة على الطب الوقائي وطب العمر الصحي المديد، وقد عملت في المجال السريري وفي الوظائف الطبية الإدارية، بما في ذلك تأسيس وإدارة عيادات متخصصة في طب العمر الصحي المديد، ودراسة الجمع بين الطب القائم على الأدلة والتشخيصات المتقدمة وتقنيات الرعاية الصحية الحديثة. وقد قادتني هذه الخبرة إلى دوري الحالي في مركز أوميكس للطب الدقيق (OMICS Precision Health)، حيث توليتُ الإشراف على إطلاقه من الجوانب الطبية، وأعمل حالياً رئيساً طبياً للمركز.
وبالتوازي مع ذلك، أنا عضو مؤسس ونائب رئيس جمعية الإمارات لطب نمط الحياة والعمر الصحي المديد، وعضو في هيئة التحرير الدولية لمجلة BMJ Lifestyle Medicine Advances (تطورات طب نمط الحياة)، كما أعمل عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة العالمية لطب نمط الحياة. ويتمثل جانب كبير من عملي حالياً في المساهَمة في تطوير مفهومنا للوقاية والشيخوخة الصحية، سواء في الممارسة السريرية أو على نطاق أوسع ضمن منظومة الرعاية الصحية.