مع اقتراب البرد، لا يختار السوريون وسيلة التدفئة دائماً على أساس قدرتها على تدفئة المنزل، بل وفق ما يمكن تأمينه من الوقود، وكلفة شرائه، وإمكان تشغيل الجهاز المتاح.
في منزل يتوفر فيه المازوت، قد تبقى المدفأة التقليدية الخيار الأبسط؛ وفي منزل آخر، تصبح ساعات الكهرباء أو أسطوانة الغاز هي التي تحدد متى يمكن تدفئة غرفة واحدة، أما الأسر التي لا تستطيع شراء الوقود بانتظام، فتبحث عن مواد متاحة في محيطها، وتتوزع وسائل التدفئة المستخدمة في سوريا بين مدافئ المازوت والغاز، ومدافئ الحطب، والأجهزة الكهربائية، ووسائل تعتمد على قشور المكسرات ومخلفات الأشجار وعصر الزيتون.
وفي مناطق أخرى، تمتد الخيارات إلى الفحم الحجري والزيوت المستعملة، وصولاً إلى حرق البلاستيك والأحذية والملابس البالية، عندما لا تتوفر مواد التدفئة المعتادة، ولا تتشابه هذه الوسائل في طريقة استخدامها أو الوقود الذي تحتاج إليه، كما يختلف حضورها بين المدن والأرياف والمخيمات تبعاً للمواد المتاحة وطبيعة السكن.
المحروقات السائلة
وتُعد مدافئ المازوت من الوسائل المعروفة في المنازل السورية، وتعمل بحرق الوقود السائل داخل حجرة الاحتراق، ثم تنقل الحرارة إلى الغرفة عبر جسم المدفأة، وتختلف أشكالها وتصاميمها، لكن المازوت يبقى المادة الأساسية التي تحتاج إليها لتشغيلها، ويستخدمها سكان المدن، ولا سيما في دمشق وحلب وحمص ومدينة حماة، كما توجد في مناطق أخرى بحسب توفر الوقود وإمكان الحصول عليه، وقد تُستخدم إلى جانبها وسيلة أخرى، مثل المدفأة الكهربائية، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد طوال الشتاء.
وفي الأرياف، لا يعني وجود مدفأة المازوت أن الأسرة تستخدمها بصورة يومية؛ إذ قد تلجأ بعض الأسر إلى الحطب أو مخلفات الأشجار، وتحتفظ بالمازوت لفترات البرد الأشد.
وتختلف الخيارات من قرية إلى أخرى، بل بين المنازل في المنطقة نفسها، تبعاً لما يتوفر من وقود وما اعتادت الأسرة استخدامه، لذلك يبقى المازوت جزءاً من خريطة التدفئة، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها السكان.
وتستخدم بعض الأسر مدافئ الغاز التي تعمل بوساطة أسطوانة الغاز المنزلي، ويُطلق الغاز من الأسطوانة إلى موقد المدفأة، حيث يحترق لتوليد الحرارة، وتُستخدم هذه الأجهزة عادة لتدفئة غرفة أو مساحة محددة ويرتبط تشغيلها بتوفر الأسطوانات وإمكان تعبئتها، كما تختلف أشكالها بحسب التصميم، من أجهزة ذات واجهة معدنية إلى مدافئ تتضمن عناصر مخصصة لتوزيع الحرارة.
أما مدافئ الكاز، فتعمل بوقود سائل يُسكب في خزان الجهاز، ثم يصل إلى موضع الاحتراق عبر فتيلة أو آلية مخصصة لذلك، وفق نوع المدفأة.
ومن الوسائل الأخرى مدافئ الزيت المحروق، وهي أجهزة معدنية تُعدل محلياً لتعمل على زيوت المحركات المستعملة الناتجة عن السيارات والشاحنات.
ويُستخدم الزيت هنا وقوداً بدلاً من المازوت المخصص للتدفئة، ويجري حرقه داخل المدفأة لتوليد الحرارة، ويرتبط هذا النوع بتوفر الزيوت المستعملة وإمكان الحصول عليها، ويختلف عن المدافئ المنزلية التقليدية التي صُممت للعمل بوقود محدد.
ويأتي الفحم الحجري ضمن مصادر الوقود الصلب التي تُستخدم في بعض المناطق، وخصوصاً حين تتعذر الوسائل المعتادة أو لا تتوفر بالكميات المطلوبة ويُحرق الفحم في مدافئ مخصصة أو تجهيزات تتحمل احتراقه، ويتميز ببقائه مشتعلًا مدة أطول من بعض المواد النباتية الخفيفة، ويظهر استخدامه بين البدائل الموجودة في بعض المخيمات، إلى جانب مواد أخرى قد يجمعها السكان أو يحصلون عليها من مصادر متاحة في محيطهم.
الحطب والمخلفات
تنتشر مدافئ الحطب في الأرياف السورية، حيث يمكن الحصول على الخشب من الأشجار أو بقايا تقليمها أو مخلفات المواسم الزراعية، وتتكون هذه المدافئ عادة من حجرة معدنية يوضع فيها الحطب ويُشعل، فيما تنتقل الحرارة من جسم المدفأة إلى الغرفة، وتختلف أحجامها وتصاميمها، كما تختلف أنواع الخشب المستخدم فيها، بحسب ما يتوفر في المنطقة.
وفي إدلب، يُستخدم الحطب إلى جانب قشور المكسرات والمازوت والمدافئ الكهربائية ومكيفات الكهربائية التي توفر التدفئة، أما في ريف حماة ومناطق أخرى من الوسط، فيظهر الحطب ضمن الخيارات المتاحة إلى جانب قشور الفستق والبندق، وفي الأرياف عموماً، يحتفظ الحطب بحضور ملحوظ، سواء كان الوقود الأساسي في المنزل أو مادة تُستخدم إلى جانب وسائل أخرى، ولا يعني ذلك أن جميع سكان الريف يعتمدون عليه بالطريقة نفسها؛ فاختيار الوقود يتأثر أيضاً بتوفره محلياً ونوع المدفأة الموجودة في المنزل.
ومن المواد التي تُستخدم في هذا النوع من التدفئة أغصان التقليم، وهي الفروع التي تُزال من أشجار الزيتون والأشجار المثمرة خلال أعمال العناية بالبساتين، ويمكن جمع هذه الأغصان وتجفيفها ثم استخدامها في المدفأة، بدلاً من الاعتماد على جذوع الأشجار وحدها، وتختلف كمياتها بحسب الأشجار المزروعة وموسم التقليم، كما تختلف أحجامها وسرعة احتراقها عن قطع الحطب الكبيرة.
وتُستخدم كذلك بقايا شجيرات القطن اليابسة بعد انتهاء موسم الحصاد في المناطق الزراعية التي يتوفر فيها هذا المحصول، وتُجمع السيقان والأجزاء الجافة من الحقول وتُستخدم وقوداً للتدفئة، ويشبه هذا الاستخدام الاعتماد على أغصان الأشجار من حيث الاستفادة من مخلفات الموسم الزراعي، لكنه يرتبط بمحصول محدد وبالمناطق التي تُزرع فيها حقول القطن.
وتُستخدم بعض مدافئ الحطب أيضاً مع وعاء معدني مخصص لوضع الحطب داخله، إذ يملأه الأهالي بمواد قابلة للاشتعال ويضغطونها لتأخذ حيزاً أكبر وتستمر في الاحتراق.
وفي ريف إدلب، يضع بعض السكان أوراق أشجار الزيتون الجافة داخل الوعاء ويكبسونها قبل إشعالها، في حين تُستخدم نشارة الخشب بالطريقة نفسها، بوضعها وضغطها لتصبح وقوداً للتدفئة.
وتشمل المواد المستخدمة أيضاً روث الحيوانات (الجلة) بعد تجفيفه تحت أشعة الشمس، وتُعرف هذه الطريقة في بعض البيئات الريفية، حيث يُجمع الروث ويُترك حتى يفقد جزءاً كبيراً من رطوبته، ثم يُستخدم على هيئة قطع أو أقراص قابلة للاحتراق.
وقد يُخلط بالقش أو بمواد نباتية أخرى قبل تجفيفه، بحسب الطريقة المتبعة في تحضيره، ويختلف هذا الوقود عن الحطب الجاهز، لأنه يحتاج إلى الجمع والتجفيف قبل أن يصبح قابلاً للاستخدام.
القشور والمعاصر
تعمل مدافئ قشور المكسرات على حرق مواد نباتية صلبة، بينها قشور الفستق الحلبي واللوز والجوز والبندق، ويتضمن بعض هذه الأجهزة خزاناً توضع فيه القشور، وآلية لنقل الوقود إلى حجرة الاحتراق، وقد يستخدم محرك صغير ومروحة للمساعدة في تغذية المدفأة بالوقود أو توزيع الحرارة، وتختلف تفاصيل التصميم من جهاز إلى آخر، لكن الفكرة الأساسية تقوم على استخدام القشور بديلاً عن المازوت أو الحطب.
ويبرز استخدام هذا النوع من المدافئ في إدلب، كما تُستخدم قشور الفستق والبندق في ريف حماة ومناطق من الوسط السوري، حيث تتوفر مخلفات هذه المحاصيل، ويعتمد توفر القشور على الموسم الزراعي وسلاسل جمعها وبيعها، وليس على وجود أشجار الفستق أو البندق وحده، وقد تصل القشور إلى المستخدمين بعد جمعها وفرزها وتجهيزها، ثم تُباع بالكميات التي يحتاج إليها أصحاب المدافئ.
ومن المخلفات الزراعية الأخرى البيرين، الناتج عن عصر الزيتون، وتتوفر هذه المادة مع موسم قطاف الزيتون وعصره، ثم يمكن جمعها ونقلها إلى ورش تضغطها بوساطة مكابس لتصبح قطعاً أو أقراصاً متماسكة، وتُترك هذه القطع لتجف قبل نقلها إلى الأسواق أو استخدامها وقوداً، وترتبط هذه العملية بمناطق إنتاج الزيتون ووجود المعاصر والورش التي تعالج مخلفاتها، ويُستخدم البيرين في أرياف إدلب حلب، حيث تنتشر زراعة الزيتون ومعاصر العصر.
الكهرباء والبدائل
تُستخدم المدافئ الكهربائية في المدن والأرياف، لكنها ترتبط بإمكان تشغيلها وتوفر التيار الكهربائي، وتحول هذه الأجهزة الطاقة الكهربائية إلى حرارة بوساطة عناصر تسخين داخلية، وتختلف قدرتها وأحجامها بين الأجهزة الصغيرة المخصصة لمساحات محدودة والمدافئ الأكبر حجماً
وفي إدلب، تُستخدم المدافئ الكهربائية ومكيفات الهواء التي تعمل على التدفئة إلى جانب الحطب وقشور المكسرات والمازوت، وفي مدن أخرى، قد يعتمد السكان عليها خلال ساعات توفر الكهرباء، بالتوازي مع وسيلة تعمل بالوقود.
وتشمل وسائل التدفئة الكهربائية الحصائر الحرارية التي توضع على الأرض أو في مواضع مخصصة داخل المنزل، وتعمل بتوليد الحرارة عبر عناصر كهربائية داخلية، ويختلف استخدامها عن المدفأة التي تسخن هواء الغرفة مباشرة، إذ ترتبط مساحة التدفئة بمكان وضع الحصيرة وتصميمها، وقد تُستخدم هذه الوسائل إلى جانب المدافئ التقليدية، وفق التجهيزات المتاحة في المنزل.
أما مكيفات الهواء التي توفر التدفئة، فتعمل على نقل الحرارة إلى داخل الغرفة عبر دورة تشغيل مخصصة للتدفئة، بدلاً من الاقتصار على تبريد الهواء في الصيف، وتتوفر هذه الخاصية في أجهزة معينة، ويختلف أداؤها واستهلاكها بحسب نوع الجهاز وقدرته وظروف التشغيل
ولا تقتصر البدائل على الأجهزة المصممة في المصانع؛ إذ تُصنع في بعض المنازل قوالب وقود يدوياً من الكرتون التالف وتقوم الطريقة على نقع الكرتون بالماء، وخلطه بمواد أخرى مثل نشارة الخشب، ثم ضغط الخليط وتشكيله وتجفيفه تحت الشمس حتى يصبح كتلة صلبة يمكن إشعالها، وتختلف هذه القوالب عن الحطب الجاهز أو قشور المكسرات، لأنها تنتج من خليط يجري تحضيره قبل الاستخدام، ولا تعتمد على مادة نباتية واحدة.
ومن الوسائل الأخرى المدافئ الهجينة المعروفة محلياً باسم "التيربو"، وهي تجمع بين كمية من البانزين ومروحة كهربائية تساعد على دفع الهواء الساخن وتوزيعه، ويختلف هذا التصميم عن المدفأة التقليدية التي تعتمد على احتراق الوقود وانتقال الحرارة من جسمها إلى الغرفة، إذ تدخل المروحة في عملية توزيع الهواء، ويظل تشغيلها مرتبطاً بتوفر المازوت والكهرباء معاً.
وفي بعض المخيمات، تُستخدم مدافئ بدائية تُعرف باسم "الواوية"، وهي صناديق معدنية بسيطة يجري صنعها يدوياً، وتُستخدم لحرق المواد المتاحة، ويختلف شكلها وحجمها بحسب طريقة تصنيعها، وقد توضع فيها مواد متنوعة بحسب ما يستطيع السكان الحصول عليه، وتظهر هذه المدافئ ضمن الوسائل التي تعتمد على تجهيزات بسيطة لا تتطلب شراء مدفأة منزلية تقليدية، في حين يتحدد نوع الوقود المستخدم بما يتوفر لدى الأسرة.
وتضم البدائل المتاحة في بعض المناطق مواد لا تُستخدم عادة وقوداً للتدفئة، لكنها قد تُحرق للحصول على الحرارة عند عدم توفر الخيارات المعتادة، ومن بينها الزيوت المستعملة، ومخلفات معامل الأحذية، وبقايا المطاط والجلود الاصطناعية، والأحذية القديمة والملابس البالية، كما يلجأ بعض السكان إلى حرق البلاستيك وأكياس النايلون وغيرها من النفايات، ويختلف هذا الاستخدام عن الاعتماد على الحطب أو القشور أو البيرين، لأن المواد هنا ليست بالضرورة وقوداً جرى تحضيره للتدفئة، بل مخلفات تُستخدم عند توفرها.
وتبرز هذه البدائل في بعض المخيمات والمناطق التي تعاني الأسر فيها صعوبة تأمين الوقود المعتاد، وإلى جانب الفحم الحجري، قد تُستخدم الأحذية التالفة أو مخلفات البلاستيك والنايلون أو أجزاء من الملابس للحصول على الحرارة، ولا يعني ظهور هذه المواد في منطقة ما أن جميع سكانها يعتمدون عليها، لكنها تمثل جزءاً من الوسائل التي قد يلجأ إليها بعض السكان عندما تضيق الخيارات المتاحة.
وهكذا تتوزع وسائل التدفئة في سوريا بين الوقود السائل، والحطب والمخلفات النباتية، والقشور ومخلفات المعاصر، والكهرباء، ثم المواد التي تُستخدم بديلاً عند تعذر الحصول على الوقود المعتاد، ويختلف حضور كل وسيلة من منطقة إلى أخرى؛ فالمازوت يبرز في المدن الكبرى، ويحتفظ الحطب بمكانته في الأرياف، في حين تظهر قشور المكسرات والبيرين في المناطق التي تتوفر فيها مخلفات هذه المحاصيل، وفي المخيمات، تتسع قائمة المواد المستخدمة لتشمل الفحم الحجري والنفايات والأحذية والملابس، ضمن خيارات تتباين بحسب ما تستطيع الأسر تأمينه.