الشعلة: غاندي ليس شأنًا هنديًا.. وفكره اليوم أكثر إلحاحًا في مواجهة العنف والكراهية
حضور “الشخصية” لا يرتبط بالسلطة أو المنصب إنما بقدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني كل المجتمعات في حاجة إلى استعادة قيم الحوار والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية تستعد مؤسسة “الأهرام” المصرية، بالتعاون مع سفارة جمهورية الهند في القاهرة وجمعية الصداقة...
حضور “الشخصية” لا يرتبط بالسلطة أو المنصب إنما بقدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني
كل المجتمعات في حاجة إلى استعادة قيم الحوار والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية
تستعد مؤسسة “الأهرام” المصرية، بالتعاون مع سفارة جمهورية الهند في القاهرة وجمعية الصداقة المصرية الهندية وعدد من مؤسسات المجتمع المدني، لتدشين الطبعة الثالثة من كتاب “غاندي وقضايا العرب والمسلمين” لرئيس مجلس إدارة مؤسسة البلاد الإعلامية عبدالنبي الشعلة، يوم غد الأحد الموافق ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ بـقاعة هيكل في المقر الرئيسي لمؤسسة الأهرام بالقاهرة، تزامنًا مع الاحتفاء بالذكرى الـ157 لميلاد المهاتما غاندي.
الصلة بالعرب والمسلمين
في هذا اللقاء، يتحدث الشعلة عن علاقته الفكرية بالهند وغاندي منذ دراسته في بومباي عام 1969، والأسباب التي دفعته إلى إصدار الكتاب للمرة الأولى عام 2018، وسر استمرار الاهتمام به ووصوله إلى الطبعة الثالثة، فضلًا عن رؤيته لأفكار غاندي في عالم تتصاعد فيه الحروب وخطابات الكراهية والتطرف، ويفتح السؤال الأول شرفات مهمة.. ماذا يعني لكم وصول الكتاب إلى طبعته الثالثة؟
-هذه الطبعة بالنسبة لي ليست مجرد إعادة نشر لكتاب حظي بقبول طيب، وإنما تجديد للرسالة التي صدر من أجلها، فعندما أصدرت الكتاب للمرة الأولى عام 2018، لم يكن هدفي إضافة سيرة جديدة إلى آلاف الكتب والدراسات التي تناولت غاندي، وإنما الاقتراب من جانب أقل حضورًا في المكتبة العربية، يتعلق بصلته بالعرب والمسلمين وموقفه من الإسلام والقضية الفلسطينية، والقيم الإنسانية التي حملها فكره، واليوم أجد أن الأسئلة التي طرحها الكتاب لم تفقد أهميتها، بل أصبحت أكثر إلحاحًا.
لماذا “غاندي” اليوم؟
وماذا عن دلالة صدور الطبعة الجديدة عن مؤسسة “الأهرام” وتدشينها في القاهرة؟ بل، ولماذا غاندي اليوم بعد عقود طويلة على رحيله؟
-أشعر باعتزاز كبير بأن تصدر الطبعة الثالثة عن مؤسسة “الأهرام” بما تمثله من مكانة راسخة في تاريخ الصحافة والثقافة والنشر في مصر والعالم العربي، كما أن تدشين الكتاب في قاعة هيكل، وبمشاركة سفارة الهند وجمعية الصداقة المصرية الهندية ومؤسسات المجتمع المدني، يمنح المناسبة معنى يتجاوز الاحتفاء بكتاب إلى الاحتفاء بجسر تاريخي وإنساني بين العرب والهند.
تسألني :”لماذا غاندي اليوم؟”، والجواب: لأن بعض الشخصيات لا يحصرها زمن، وحضورها لا يرتبط بالسلطة أو المنصب، وإنما بالمبادئ التي جسدتها وقدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني، وكلما اتسعت دوائر العنف وضاقت مساحات العقل والحوار، عاد صوت غاندي أكثر وضوحًا، وأصبحت تجربته أكثر قدرة على مساءلة واقعنا.
صلابة الغاية ونبل الوسيلة
وهل تعتقدون أن مفهوم “اللاعنف” ما يزال صالحًا أمام صراعات عالم اليوم؟ وما الذي يمنح الكتاب خصوصيته بالنسبة للقارئ العربي؟
-اللاعنف عند غاندي لم يكن استسلامًا أو قبولًا بالظلم، بل فعل مقاومة يقوم على الشجاعة والصبر.. لقد واجه إمبراطورية كانت من أقوى إمبراطوريات عصرها، واستخدم العصيان المدني والمقاطعة وتعبئة الضمير الشعبي، مع الإصرار على ألا يتحول النضال إلى دائرة مفتوحة من الدم والانتقام.. إن جوهر تجربته أنه جمع بين صلابة الغاية ونبل الوسيلة.
ومن أهم تلك الجوانب: مواقف غاندي من الإسلام والمسلمين وقضايا العرب، وفي مقدمتها فلسطين، فقد نظر إلى الإسلام باحترام، واقترب من المسلمين في الهند، ودافع عن وحدة المجتمع في مواجهة الفتنة والانقسام، كما رفض أن تصبح المأساة التي تعرض لها اليهود في أوروبا ذريعة لظلم شعب آخر، وانطلق من قناعة بأن العدالة لا تتجزأ.
قيم تحتاجها مجتمعاتنا
يبدو أن علاقتكم بغاندي والهند ليست مجرد علاقة مؤلف بموضوع كتاب.. لكن، كيف استقبل القراء الكتاب منذ طبعته الأولى؟ وما الرسالة التي تريدون أن تصل إلى القارئ من الطبعة الثالثة؟.
- بدأت علاقتي بالهند عندما ذهبت للدراسة في بومباي عام 1969، في ذروة احتفال الهند بالذكرى المئوية لميلاد غاندي، ودرست العلوم السياسية والإدارة العامة في كلية القديس زيفير التابعة لجامعة بومباي، وكان غاندي حاضرًا في الحياة العامة والذاكرة الوطنية والنقاشات الفكرية، ثم توثقت صلتي بالهند عبر زيارات وعلاقات امتدت إلى سياسيين ومفكرين ورجال أعمال وشخصيات عديدة. ومن هذه التجربة الطويلة نما الكتاب.
وفي الحقيقة، وهذه الإجابة عن الشق الثاني من السؤال، فقد حظي الكتاب باهتمام أعتز به، ولم يقتصر حضوره على القارئ العربي، فقد تُرجم إلى الإنجليزية وثلاث لغات هندية، وصدرت طبعته الثانية عام 2020، وهذا الانتشار أتاح للكتاب فتح نوافذ جديدة للحوار حول غاندي ومواقفه من قضايا منطقتنا، أما سؤالك عن الرسالة، أقول إن مجتمعاتنا بحاجة إلى استعادة قيم الحوار والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية، خصوصًا مع انتقال العنف من ساحات القتال إلى الخطاب العام ووسائل الاتصال والمنصات الرقمية، ذلك لأن مواجهة التطرف والتعصب والتحريض ليست مهمة أمنية أو سياسية فقط، بل معركة فكرية وأخلاقية وتربوية أيضًا.
ليست دعوة “استنساخ”
لعلنا نختم بسؤال عن “أهمية سيرة الشخصية”.. ماذا بقي من غاندي يمكن أن نستفيد منه اليوم؟
-لا أدعو إلى استنساخ تجربته، فلكل شعب ظروفه ولكل عصر أدواته، لكن التجارب الكبرى تُقرأ لكي تُفهم وتُستلهم، وما نحتاج إليه هو البوصلة الأخلاقية التي تربط السياسة بالضمير والمقاومة بالمسؤولية والحرية باحترام حرية الآخرين، والعدالة برفض التمييز، فالكتاب لا يستطيع وحده إيقاف حرب، لكن الكلمة المسؤولة قد تفتح نافذة في جدار مغلق، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا لاختيار الحوار بدل المواجهة.
ويختصر الشعلة رسالة الكتاب في أن طريق السلام، مهما بدا طويلًا وشاقًا، يظل الطريق الأجدر بالإنسان، وأن الحرية والعدالة والتسامح ليست قيمًا مؤجلة، وإنما شروط ضرورية لحماية الأوطان وصون كرامة البشر وصناعة مستقبل الأجيال المقبلة.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.