هب أنك تقارن بين ثلاثة أنواع من الغراء، وتكتشف أن قوة التصاقها تزداد تدريجيا من النوع الأول إلى الثاني ثم الثالث. عندئذ، يبدو منطقيا أن يكون النوع الرابع، إذا اتبع النمط نفسه، الأقوى بينها جميعا.
لكن ماذا لو اكتشفت أن النوع الرابع أضعف من الثالث، رغم انتمائه إلى العائلة نفسها؟ هذا ما حدث على المستوى الذري مع عنصر فائق الثقل يُسمى "السيبورغيوم"، إذ كشفت تجربة علمية أن تأثيرات نظرية النسبية لأينشتاين يمكن أن تقلب التوقعات بشأن قوة الروابط الكيميائية.
ولا يوجد عنصر "السيبورغيوم" الذي يحمل الرقم الذري 106 عمليا في الطبيعة، بل يُنتَج داخل مسرعات الجسيمات، وبكميات ضئيلة للغاية، فقد لا يتجاوز الإنتاج بضع ذرات يوميا، كما أن ذراته تتحلل إشعاعيا في أقل من ثانية في بعض الحالات.
ومع ذلك، نجح الباحثون من مركز أبحاث الأيونات الثقيلة "جي إس آي" ومنشأة "فاير" في ألمانيا خلال الدراسة المنشورة بدورية "نيتشر" في رصد 75 ذرة منه، لدراسة قدرتها على تكوين رابطة كيميائية مع جزيئات أول أكسيد الكربون.
وبدأت التجارب التي أجراها الباحثون بإنتاج ذرات "السيبورغيوم"، إذ استخدموا مسرعا للجسيمات لإنتاج تلك الذرات التي لا تعيش طويلا وتتحلل بسرعة.
ثم قام الباحثون بعد ذلك بتعريض ذرات السيبورغيوم المنتجة لغاز أول أكسيد الكربون، لمعرفة إن كانت كل ذرة ستتمكن من الارتباط بستة جزيئات من الغاز لتكوين مركب كيميائي محدد هو "سداسي كربونيل السيبورغيوم".
وكانت الخطوة الثالثة هي تتبع الذرات التي نجحت في تكوين المركب، إذ مرروا نواتج التفاعل عبر كاشفين، فالمركب المطلوب يستطيع الوصول إلى الكاشف الثاني، بينما تترسب نواتج أخرى على الكاشف الأول.
وبعد ذلك، قارن الباحثون النتائج بعنصر التنغستن، ومن بين 75 ذرة سيبورغيوم رصدوها، وصلت ثلاث ذرات إلى الكاشف الثاني في صورة المركب المطلوب، أما في تجربة التنغستن، فقد تكون المركب المماثل لدى 17% من الذرات المرصودة.
وبالاستناد إلى هذه النتائج، خلص العلماء إلى أن قوة الرابطة المعنية في مركب السيبورغيوم أقل بنحو أربعة كيلوجولات لكل مول من نظيرتها في مركب التنغستن، في نتيجة تقلب الاتجاه المتوقع لقوة الروابط في هذه المجموعة الكيميائية بالجدول الدوري.
ولم يكتف الباحثون باكتشاف أن الرابطة الكيميائية في السيبورغيوم أضعف من المتوقع، بل بحثوا عن السبب، ووجدوا أن الحسابات التي أخذت تأثيرات النسبية لأينشتاين في الحسبان تفسر هذا الضعف، بينما أخطأت الحسابات التي تجاهلتها، وتوقعت أن تستمر الرابطة في الازدياد قوة.
وتكشف النتيجة أن التشابه بين العناصر في الجدول الدوري لا يعني بالضرورة أنها ستتصرف بالطريقة المتوقعة، ففي العناصر الفائقة الثقل، تؤثر النسبية في حركة الإلكترونات وتوزيعها داخل الذرة، وهو ما قد يغيّر طريقة ارتباطها بالعناصر الأخرى.