تستعد شركة «جيو بلاتفورمز» الهندية لبدء استقبال طلبات الاكتتاب العام الأولي يوم الأربعاء، في عملية طموحة تهدف إلى جمع ما يصل إلى 3.2 مليار دولار. ويُتوقع أن يحظى هذا الطرح بالاهتمام كأكبر اكتتاب في تاريخ الهند، مدفوعاً بإقبال قوي من المستثمرين المؤسسيين، وذلك على الرغم من التباطؤ الذي يشهده سوق الأسهم الهندية وتصاعد حدة المنافسة في قطاع الاتصالات. وتأتي هذه الخطوة في ظل ارتفاع القيمة التقديرية لحصص ثلاثة صناديق سيادية خليجية في الشركة لتبلغ نحو 5.6 مليار دولار، استناداً إلى بيانات أوردتها منصة «غلوبال إس دبليو إف» المتخصصة في متابعة الصناديق السيادية.
قرر صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بالتعاون مع شركة «مبادلة» الإماراتية وجهاز أبوظبي للاستثمار، الإبقاء على استثماراتهم في الشركة خلال فترة الطرح. وقد شهدت القيمة التقديرية لحصص هذه الصناديق الثلاثة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث قفزت من استثمارات أصلية بلغت 3.45 مليار دولار في عام 2020 إلى مستوى يقارب 5.6 مليار دولار حالياً، مما يمثل زيادة تقدر بنحو 63 في المائة بالعملة الأمريكية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الارتفاع يعكس إعادة تقييم للحصص وليس أرباحاً محققة من عمليات بيع.
وكشفت البيانات المنشورة عن تفاصيل هذا النمو في القيمة التقديرية، حيث ارتفعت حصة صندوق الاستثمارات العامة من 1.5 مليار دولار عند استثماره في عام 2020 إلى حوالي 2.44 مليار دولار اليوم. وبالمثل، زادت قيمة حصة «مبادلة» من 1.2 مليار دولار إلى ما يقرب من 1.95 مليار دولار، بينما قفزت حصة جهاز أبوظبي للاستثمار من 750 مليون دولار إلى نحو 1.22 مليار دولار.
يتضمن الاكتتاب طرح 270 مليون سهم جديد، بسعر يتراوح بين 1065 و1119 روبية هندية للسهم الواحد، على أن تستمر فترة تلقي الطلبات من 21 إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول). وفي حال تم تحديد السعر عند الحد الأقصى، ستصل القيمة السوقية المستهدفة للشركة إلى حوالي 108.3 مليار دولار. وتشير تقديرات نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» إلى تقييم يقارب 107 مليارات دولار، وهو ما يعكس تراجعاً عن التوقعات الأولية التي تجاوزت 150 مليار دولار، وفقاً لما أفادت به الصحيفة.
تخطط الشركة لتوجيه الغالبية العظمى من عائدات الطرح نحو تقليص ديون ذراعها العاملة في مجال الاتصالات، «ريلاينس جيو إنفوكوم». وتعتزم استخدام ما يصل إلى 275 مليار روبية (ما يعادل نحو 2.9 مليار دولار) لسداد القروض القائمة أو تسديدها مقدماً، بينما سيُخصص المبلغ المتبقي للأغراض العامة للشركة. ولا يشمل هذا الطرح بيع حصص من قبل المساهمين الحاليين، بل يتمثل في إصدار أسهم جديدة بالكامل.
قبل فتح باب الاكتتاب أمام الجمهور العام، استقبلت الشركة عروضاً من المستثمرين الرئيسيين تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار، مقابل أسهم مخصصة لهذه الفئة بقيمة تقارب 853 مليون دولار، أي ما يفوق 30 ضعفاً من الكمية المتاحة، بحسب تقرير «رويترز». وشملت قائمة المستثمرين الذين حصلوا على حصص جهاز أبوظبي للاستثمار، إلى جانب شركات كبرى مثل «بلاك روك» و«فيديلتي» ومؤسسات مالية أخرى. كما أبدى جهاز الاستثمار السنغافوري، وجهاز قطر للاستثمار، وإدارة استثمارات بنك النرويج اهتماماً كبيراً بالمشاركة في هذا الطرح.
يأتي هذا الاكتتاب في وقت تتعرض فيه «جيو» لتحديات متعددة، أبرزها نضج سوق الاتصالات في الهند وتزايد حدة المنافسة، فضلاً عن الضغوط التي تمارسها السوق على تقييمات الشركات. وذكرت «فاينانشال تايمز» أن الشركة خفضت تقييمها المستهدف من أكثر من 150 مليار دولار إلى حوالي 107 مليارات دولار، وذلك في ظل تراجع أداء الأسهم الهندية وتوجه بعض المستثمرين نحو أسواق بديلة، نظراً لقلة الشركات الهندية المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي.
ونقلت الصحيفة عن محللين اقتصاديين أن فرص التوسع في قاعدة المشتركين أصبحت محدودة نظراً للارتفاع الكبير في انتشار خدمات الاتصالات في الهند، مما يجعل زيادة متوسط الإيرادات لكل مستخدم عاملاً حاسماً في المرحلة القادمة. كما لفتت إلى أن سهم الشركة الأم «ريلاينس إندستريز» انخفض بنحو 23 في المائة منذ بداية العام، مقارنة بتراجع بلغ 12 في المائة لمؤشر «نيفتي 50» الهندي، نتيجة للضغوط التي تواجه أعمال التكرير بسبب اضطرابات تدفقات النفط والتوترات الجيوسياسية.
على الجانب الآخر، تعتمد «جيو» في استراتيجيتها على ضخامة قاعدة عملائها وتوسعها في الخدمات الرقمية والتقنيات المتقدمة. وقد بلغ عدد مشتركيها 533 مليون مستخدم حتى يونيو (حزيران) 2026، مما يجعلها تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بين شركات الاتصالات من حيث عدد المشتركين، وفقاً للصحيفة. كما تستحوذ الشركة على حصة تقدر بنحو 60 في المائة من حركة البيانات في الهند، استناداً إلى بيانات «رويترز».
انطلقت «جيو بلاتفورمز» عام 2019 كجزء من مجموعة «ريلاينس إندستريز» التي يرأسها الملياردير موكيش أمباني، بينما تم إطلاق خدمة «ريلاينس جيو» للاتصالات في عام 2016، معتمدة على أسعار منخفضة للبيانات والمكالمات لتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت في الهند. وفي عام 2020، جذبت الشركة استثمارات دولية بارزة، شملت استثمار «ميتا» الذي منحها حصة تقارب 10 في المائة، واستثمار «غوغل» الذي منحه حصة تقترب من 8 في المائة.
تسعى المجموعة حالياً إلى التوسع في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، كما تخطط لدخول سوق خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية. ويُعد هذا الاكتتاب جزءاً من استراتيجية إعادة هيكلة أعمال مجموعة «ريلاينس» وخطط انتقال القيادة إلى الجيل التالي من عائلة أمباني، حيث سيتولى أكاش أمباني قيادة «جيو».
يضع هذا الطرح الشركة أمام اختبار مزدوج: أولاً، مدى استعداد المستثمرين لدفع تقييم مرتفع مقابل قاعدة مستخدمين ضخمة وأعمال تقنية في نمو مستمر؛ وثانياً، قدرة الشركة على تحويل هذا الحجم الكبير إلى إيرادات أعلى في سوق اتصالات تتسم بالنضج والتنافسية الشديدة.