في أقل من ست ثوانٍ، كان بإمكان أي شخص أن يوثق اللحظات العفوية التي يعيشها إلى مادة يتداولها الملايين، أو يصنع من حركة عابرة تعيش سنوات على الإنترنت، لم تكن هناك حاجة إلى كاميرا احترافية أو فريق إنتاج أو ميزانية ضخمة، كل ما احتاج إليه الأمر فكرة ذكية، وجوال، ومنصة تؤمن بأن اللحظات الصغيرة تستحق أن تُروى.
هكذا صنعت "فاين" عالمها الخاص، وأطلقت جيلًا من صناع المحتوى قبل أن تصبح الفيديوهات القصيرة صناعة بمليارات الدولارات، لكن المنصة التي ساعدت على تشكيل هذا العالم اختفت، بينما واصلت منصات أخرى جني ثماره.
ست ثوانٍ فارقة
في عام 2012، أسس "دوم هوفمان" و"روس يوسوبوف" و"كولين كرول" منصة "فاين"، التي أتاحت للمستخدمين تسجيل مقاطع فيديو لا تتجاوز ست ثوانٍ، تُعاد تلقائيًا بصورة متكررة، وفي أكتوبر من العام نفسه، استحوذت "تويتر" - التي تعرف حاليًا باسم "إكس" - على الشركة الناشئة مقابل مبلغ قُدّر بنحو 30 مليون دولار، قبل إطلاق التطبيق رسميًا في العام التالي.
كانت الفكرة تبدو بسيطة عبارة عن وسيلة مرئية تؤدي دورًا شبيهًا بالتغريدات القصيرة، وتتيح للناس مشاركة تفاصيل حياتهم مع الأصدقاء،لكن المستخدمين سرعان ما منحوا المنتج اتجاهًا مختلفًا.
تحوّل القيد الزمني إلى اختبار للخيال، فكيف يمكن اختزال موقف مضحك أو حكاية كاملة أو مشهد رياضي استثنائي في ثوانٍ معدودة؟ بدأ المبدعون في تجربة الحيل البصرية والمونتاج السريع والنهايات المفاجئة، مستفيدين من إعادة تشغيل المقاطع باستمرار.
يتذكر "هوفمان" أن النسخة التجريبية الأولى لم تضم سوى عدد محدود من المستخدمين، ومع ذلك ظهرت منذ البداية تجارب إبداعية لافتة، وخلال أسابيع من الإطلاق، بدأت تتشكل ثقافة خاصة بالمنصة، تجاوزت هدف مؤسسيها الأصلي.
وفي عام 2013، أتاح التطبيق التسجيل بالكاميرا الأمامية للجوال، فاتسعت مساحة التعبير الشخصي، وظهرت حوله مجموعة من صُنّاع المحتوى الذين أصبحوا لاحقًا نجومًا على الإنترنت.
ذروة النجاح
بحلول عام 2014، كانت "فاين" قد بلغت ذروة انتشارها، لم تعد مجرد تطبيق لمقاطع طريفة؛ فقد أصبحت مساحة لإنتاج محتوى له أسلوبه الخاص.
ووجد عدد من الشباب طريقًا إلى الشهرة عبر المنصة، مستفيدين من قدرتهم على إنتاج أفكار سريعة الانتشار دون الحاجة إلى إمكانات إنتاجية كبيرة، وبمرور الوقت، أصبحت حساباتهم تجذب جماهير واسعة، وبدأت العلامات التجارية تدرك قيمة الوصول إلى هؤلاء المتابعين.
لكن الشهرة حملت معها سؤالًا تجاريًا لم تستطع "فاين" الإجابة عنه بوضوح: كيف يمكن لصُنّاع المحتوى أن يكسبوا المال، وكيف يمكن للمنصة أن تحقق إيرادات مستدامة من النشاط الذي يدور داخلها؟
وفي عام 2015، اجتمع عدد من كبار صُنّاع المحتوى مع إدارة "تويتر"، مطالبين بمشاركة الأرباح، وأدوات أفضل للإنتاج، وقنوات اتصال مباشرة مع المسؤولين.
لكن مطالبهم لم تتحول إلى برنامج عملي يضمن استمرارهم، لذلك، بدأ صناع المحتوى يبحثون عن بدائل أكثر ربحية، فيما تراجعت وتيرة نشر بعضهم للمقاطع الجديدة.
احتدام المنافسة
في الوقت الذي انشغلت فيه "فاين" بمشكلاتها الداخلية، كانت المنافسة تتغير بسرعة، وأتاح "إنستجرام" نشر مقاطع فيديو أطول، ثم وسّع إمكاناته تدريجيًا، كما ساعدت أدوات اكتشاف المحتوى والترويج لحسابات المشاهير على جذب جماهير جديدة، أما "سناب شات"، فقدم تجربة تناسب مشاركة اللحظات اليومية، وهي الفكرة التي انطلقت منها "فاين" أصلًا.
امتلك المنافسون مساحة أوسع لتطوير منتجاتهم، بينما لم تنجح "فاين" في استعادة الزخم الذي صنعته الصيغة الأصلية، وزادت المشكلة تعقيدًا بسبب غياب الاستقرار الإداري، إذ غادر المؤسسون تباعًا، وتعاقب المسؤولون على إدارة المنصة.
كما افتقرت المنصة إلى مجموعة أدوات إنتاج متكاملة داخل التطبيق، ما اضطر المستخدمين إلى الاعتماد على وسائل خارجية لإنجاز كثير من أعمالهم، وفي المقابل، أتاحت منصات منافسة أدوات أكثر تنوعًا، من المؤثرات والفلاتر إلى الأصوات والخصائص التي تسهّل صناعة الفيديو.
وداعًا "فاين"
تراكمت هذه الثغرات في وقت واحد، منافسون يطورون منتجاتهم، ونجوم يبحثون عن دخل أفضل، ومعلنون يعيدون توزيع ميزانياتهم، وإدارة لم تنجح في صياغة رؤية موحدة، ولم تعد شهرة "فاين" وحدها كافية لحمايتها.
وفي عام 2016، أعلنت "تويتر" التخلي عن "فاين"، بعد أن أخفقت المنصة في تحقيق الجدوى الاقتصادية المرجوة، وأُغلق التطبيق نهائيًا في عام 2017.
لاحقًا، عادت فكرة إحياء التجربة إلى الواجهة في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد دعم "جاك دورسي"، أحد مؤسسي "تويتر"، محاولة لإعادة تقديم نسخة جديدة تحت اسم "ديفاين"، تقوم على مقاطع قصيرة مدتها ست ثوانٍ، مع التركيز على المحتوى الذي يصنعه البشر.
تظل قصة "فاين" شاهدًا حيًا على أن الابتكار وحده لا يكفي لضمان البقاء في عالم اقتصادي تتسابق فيه الكيانات الكبرى لالتهام الفرص، فالفكرة التي قدمتها قبل سنوات، والقائمة على مقاطع الفيديو القصيرة، أصبحت لاحقًا ركيزة لنجاح منصات مثل "تيك توك"، الذي نجح في تطوير التجربة وتوسيع إمكاناتها.
وهكذا، لم تخسر "فاين" السباق لأنها افتقرت إلى فكرة جذابة، بل لأنها لم تتمكن من تحويل سبقها إلى ميزة مستدامة تحمي مكانتها من المنافسين.
المصادر: منصة "ميديام" – موقع "ديجي داي" - موقع "ذا فيرج" – "إنتربنور" - الجارديان.