عكست واقعة أمنية بالغة الغرابة شهدتها مقاطعة ديفون الإنجليزية مدى تغلغل نظريات المؤامرة في سلوكيات بعض المواطنين وتحولها إلى تهديد للمنشآت الخدمية، بعدما تعرضت التحديثات التكنولوجية المخصصة لتنظيم الطرق لحملة تخريب ممنهجة نفذها متقاعدون مسنون.
فالتجهيزات الحديثة التي نصبتها البلديات لرصد حركة المشاة بدقة وتعديل تدفق السيارات آليا لتقليص الاختناقات، لم تحظ بالقبول لدى تلك الفئة، بل قوبلت بريبة عميقة وعداء ميداني معلن بدعوى أنها تمثل خطرا داهما يهدد سلامة وحياة المجتمع بأسره.
وتحول هذا الاحتقان إلى واقع ملموس حين وثق أحد المارة في بلدة إلفراكومب الساحلية مقطعا مصورا انتشر كالنار في الهشيم على المنصات الرقمية، يظهر رجلا وامرأة في العقدين السادس والسابع من العمر وهما يتسلقان عمود إشارة مرور نهارا ويقومان باستخدام مقصات لقطع الأسلاك الكهربائية وإتلاف الحساسات الذكية.
وعقب بدء التحقيقات، اتضح أن المتورطين يتبعان فرعا محليا لحركة غير رسمية تطلق على نفسها اسم "بليد رانرز"، وهي مجموعة تنشط في مهاجمة التقنيات الحضرية وشبكات المراقبة العامة بزعم مناهضتها للحرية الفردية.
وفي سياق تبرير هذا المسلك العدائي، أصدرت المجموعة بيانات وتدوينات تشكك في الغايات المدنية لتلك المنظومات، مدعية أن المجسات ليست أجهزة مرور بل هي "أسلحة هجوم إلكترونية ذات مصفوفات طورية" تعمل بتكنولوجيا محظورة مقتبسة من ترسانات الجيوش وساحات الحروب. وذهب مروجو هذه المزاعم إلى اتهام الإشارات بالتسبب في أمراض فتاكة وفورية تشمل الأزمات القلبية، وسرطانات المخ، ونوبات الهلع الشديدة، زاعمين بلا سند علمي قدرة تلك الحساسات على تصفية البشر عند توجيه إشعاعاتها نحو المارة.
وأمام حجم الأضرار المادية التي قدرت بآلاف الجنيهات الإسترلينية وتداعيات ذلك على أمن الطرق، تحركت شرطة ديفون وكورنوال لضبط الزوجين المتقاعدين ومحاسبتهما قضائيا بتهم إحداث إتلاف جنائي متعمد وتعريض مستخدمي الطريق للخطر، قبل أن تفرج عنهما المحكمة بكفالة مالية.
ورغم السخرية الشعبية الواسعة من دوافع هذا الهجوم، أصدرت حركة "بليد رانرز" بيانا تحدت فيه الانتقادات وأعلنت تمسكها بمواصلة تعطيل الإشارات، واصفة عناصرها بأنهم ليسوا منقادين للمفاهيم المجتمعية الزائفة، بل هم مستيقظون بالكامل ومدركون لطبيعة المخاطر المحيطة بهم!