قبل موعد ولادتها ببضعة أيام، كشفت المؤثِّرة وصانِعة المحتوى السورية سارة الورع عن قرارها بالاحتفاظ بمشيمة طفلها الأول ودم الحبل السري، وقالت إن الهدف هو تخزين الخلايا الجذعية، واصفةً الخطوة بأنها نوع من "بوليصة تأمين بيولوجية" قد تفيد طفلها أو أحد أفراد أسرتها لاحقاً. فما فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري؟
أثار هذا الإعلان من جديد تساؤلاً يشغل عدداً كبيراً من النساء اللواتي يوشكن على الولادة: هل يشكّل الاحتفاظ بهذه الأنسجة فعلاً احتياطياً للمستقبل، أم أن ما يُروَّج له على منصات التواصل الاجتماعي يتجاوز أحياناً ما تثبته الأدلة الطبية؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أولاً من التمييز بين مفهومين مختلفين طبياً؛ فدم الحبل السري يضم خلايا جذعية مكوِّنة للدم (Hematopoietic Stem Cells) قابلة للاستخدام في زراعة الخلايا الجذعية لعلاج بعض سرطانات الدم واضطرابات المناعة والأمراض الوراثية والاستقلابية، في حين أن المشيمة عضو مؤقت يؤدي خلال الحمل وظيفة أساسية في إيصال الأكسجين والغذاء إلى الجنين والتخلص من بعض الفضلات.
ويقصد بدم الحبل السري الدم الباقي داخل المشيمة والحبل بعد الولادة، ويمكن سحبه بعد إنجاب الطفل وقطع الحبل، ثم يُفحص ويُعالج ويُجمَّد في بنك متخصص.
وتشير هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS Blood and Transplant) إلى أن دم الحبل السري غني بالخلايا الجذعية القابلة للاستعمال في معالجة بعض أمراض الدم والمناعة والأمراض الوراثية.
وعليه، فإن الحديث عن فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري لا يجوز أن يضع العنصرين في سلة واحدة؛ إذ ترتبط الفائدة الطبية المثبتة اليوم بالدرجة الأولى بالخلايا الجذعية الموجودة في دم الحبل السري، لا بالمشيمة ذاتها.
قد يبدو حفظ دم الحبل السري شكلاً من أشكال "التأمين" على المستقبل، غير أن الطب لا يعد التخزين الخاص ضماناً لاستفادة الطفل منه يوماً ما. وتوضح الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (ACOG) أن الاستخدامات الراهنة لزراعة دم الحبل السري محصورة في مجموعة محددة من الأمراض الوراثية وأمراض الدم وبعض السرطانات، وأن التخزين الخاص الروتيني لكل الأطفال لا تسنده الأدلة العلمية المتاحة.
ومن النقاط الجوهرية هنا أن دم الحبل السري الخاص بالطفل قد لا يصلح لعلاج بعض الأمراض الوراثية أو بعض الأورام لديه، لأنه قد يحمل ذات التغيرات الجينية المرتبطة بالمرض. في المقابل، قد تكون فائدته أعلى في حالات معينة حين يكون هناك أحد أفراد العائلة مصاباً بمرض يمكن معالجته بزراعة الخلايا الجذعية.
وبناءً على ذلك، تتفاوت فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري تبعاً للحالة الطبية والتاريخ المرضي للأسرة، ولا يجوز اعتبارها متماثلة بالنسبة لكل الأمهات.
وهناك اختلافات جوهرية بين التخزين في بنك عام والتخزين في بنك خاص؛ فالبنك العام يتيح الوحدة المحفوظة لأي مريض يحتاجها ويملك تطابقاً نسيجياً مناسباً، أما البنك الخاص فيحتفظ بها حصراً للطفل أو أفراد أسرته وفقاً لشروط المؤسسة.
وتذكر NHS Blood and Transplant أن التبرع العام لا يستلزم عادةً رسوم جمع وتخزين على الأسرة، بينما تفرض البنوك الخاصة رسوماً أولية ورسوماً دورية مستمرة.
وعند تقييم فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري يُستحسن أن تسأل الأم عن احتمال الاستخدام الفعلي، وجودة المختبر، وشروط التخزين، والتكاليف، والجهة المشرفة، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات الترويجية.
وهنا تبرز مسألة أخرى كثيراً ما تثير الالتباس؛ فحفظ المشيمة لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بخلايا جذعية صالحة للاستخدام الطبي كما هو الحال مع دم الحبل السري. كما أن بعض الممارسات الشائعة على الإنترنت، كأكل المشيمة بعد الولادة أو تحويلها إلى كبسولات، تفتقر إلى أي فوائد صحية مثبتة.
وتحذر Mayo Clinic من تناول المشيمة، مؤكدة عدم وجود طريقة تضمن القضاء على البكتيريا والفيروسات أثناء تجهيزها. كما سجلت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) حالة ارتبط فيها تناول كبسولات المشيمة بإصابة عدوى بكتيريا المجموعة ب (Group B Streptococcus)، وهي عدوى قد تشكل خطراً على الرضع.
لذلك، فإن فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري لا تعني بأي حال أن تناول المشيمة مفيد، ولا يصح الخلط بين حفظ دم الحبل السري لأغراض طبية محددة وبين ممارسات استهلاك المشيمة.
يعكس قرار سارة الورع حجم تأثير المؤثرين في تحويل قضية طبية تخصصية إلى حوار واسع بين الأمهات. فالمرأة التي تشاهد تجربة شخصية ناجحة أو حديثاً جذاباً عن "الخلايا الجذعية" قد تظن أنها أمام فرصة لا تُفوَّت، قبل حتى أن تستشير الطبيب حول احتمال الاستفادة الحقيقية.
وتشير مراجعة علمية منهجية إلى أن استخدام الإنترنت قد يؤثر في اتخاذ القرار خلال الحمل، فيما خلصت مراجعة أخرى إلى أن المؤثرين والمدونين قادرون على التأثير في تجارب الحوامل والأباء الجدد وقراراتهم.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المعلومات الصحية المتداولة على منصات التواصل قد تمس القرارات الصحية اليومية، وأن المحتوى المضلِّل قد ينتشر بوتيرة أسرع من المعلومات الصحيحة.
ومن هذا المنطلق، تشكل فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري نموذجاً مثالياً للتضليل إذا اختُصرت المسألة في عبارة من قبيل "فرصة لإنقاذ طفلك مستقبلاً" دون توضيح احتمالات الاستخدام وحدوده.
وقبل تحمّل كلفة التخزين، يمكن للأم طرح عدد من الأسئلة على طبيب النساء والولادة أو اختصاصي الدم والخلايا الجذعية:
وتشدد ACOG على ألا يعيق جمع دم الحبل السري الرعاية التوليدية أو رعاية المولود، وأن أولوية الولادة تبقى دوماً لصحة الأم وطفلها.
وعليه، لا يمكن تقدير فوائد الاحتفاظ بالمشيمة ودم الحبل السري بمعزل عن الظروف الطبية الخاصة بكل أسرة.
لا تبنِ قراراً صحياً على فيديو واحد لمؤثرة، حتى لو كانت تتحدث عن تجربتها الشخصية بحسن نية؛ فالتجربة الفردية لا تعوّض الدليل العلمي. ابحثي عن مصدر طبي محايد، واستفسري من طبيبك عن الفائدة المرجوة في حالتك، واطلعي على عقد البنك وتكاليفه وشروطه قبل أن تدفعي.
قصة سارة الورع قد تمثل مناسبة مواتية لفتح حوار صحي مهم، لكنها لا تعني أن تخزين دم الحبل السري خيار ملائم لكل أسرة بالضرورة. فالفوائد الطبية المثبتة للخلايا الجذعية في دم الحبل السري حقيقية، لكنها تخص أمراضاً واستخدامات محددة، في حين لا تسند الأدلة العلمية الراهنة التخزين الخاص الروتيني لجميع الأطفال كخيار نافع للجميع.
أما المشيمة فملف مختلف كلياً؛ إذ لا يصح مساواتها بدم الحبل السري، كما أن تناولها لا يحمل فوائد صحية مثبتة، بل قد يحمل مخاطر أيضاً.
وفي زمن أصبحت فيه المؤثرة قادرة على بلوغ ملايين الأمهات في دقائق، يظل السؤال الجوهري: هل نتخذ قراراتنا الصحية لأن العلم يرى أنها مناسبة لنا، أم لأن قصة بدت مقنعة على الشاشة زرعت فينا الخوف من ضياع فرصة قد لا تتكرر؟