على دراجة نارية، يقضي سائقو التوصيل ساعات طويلة في شوارع المدن السورية، متنقلين بين المطاعم والمتاجر ومنازل الزبائن، في عمل يوفر دخلاً للشباب والطلاب، لكنه يضعهم أمام حسابات يومية لا تتوقف عند عدد الطلبات التي ينجزونها.
فمع ارتفاع أسعار المحروقات وقطع الغيار والصيانة، لا تعكس الإيرادات بالضرورة ما يبقى في جيوبهم نهاية الشهر، في حين تضيف مصادرة الدراجات تحدياً آخر إلى مهنتهم.
أربعة ملايين ليرة شهرياً
يقول محمد النشواتي، العامل في توصيل الطلبات، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن ما يتبقى معه في نهاية الشهر يبلغ نحو أربعة ملايين ليرة سورية بالعملة القديمة، بعد احتساب تكاليف المحروقات والصيانة. ويظل هذا المبلغ تجربة شخصية تختلف باختلاف ساعات العمل وعدد الطلبات والمسافات المقطوعة والنفقات التي يتحملها كل سائق.
وبالنسبة إلى شعيب العلي، الطالب الجامعي يعمل في توصيل الطلبات منذ نحو عامين، تتمثل أبرز مزايا العمل في مرونة ساعات الدوام وإمكانية تنظيمها بما يتناسب مع المحاضرات والالتزامات الدراسية. يقول إن التعامل الجيد بين السائقين والإدارة يسهم في توفير بيئة عمل إيجابية، لكن الظروف الجوية وحملات مصادرة الدراجات النارية من أبرز الصعوبات التي تواجهنا.
ويشدد العلي على ضرورة التمييز بين السائقين الملتزمين بقواعد المرور والمخالفين، مع الالتزام بارتداء الخوذ ومعدات السلامة والزي المخصص للعمل، بما يحافظ على السلامة العامة من دون الإضرار بمصدر دخل الشباب والطلاب.
التكاليف والمصادرات
ولا تقتصر آثار هذه التحديات على السائقين، بل تمتد إلى الشركات التي تحاول الحفاظ على استمرارية الخدمة وأسعارها. ويقول أنس المنيني، الشريك المؤسس لشركة "ديليفري جود"، إن القطاع يوفر فرص عمل مرنة للشباب والطلاب والخريجين، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الحصول على الوظائف التقليدية.
وأوضح المنيني لموقع "تلفزيون سوريا" أن العمل لا يشترط مؤهلات أكاديمية، ويمكن أن يكون بدوام جزئي أو كامل، في حين يخضع الملتحقون بالشركة لتدريب يشمل آليات العمل والسلوك المهني وقواعد المرور والسلامة، لضمان تقديم خدمة آمنة وذات جودة.
وأشار إلى أن مصادرة الدراجات تؤثر في قدرة الشركات على تلبية الطلبات، إذ يتردد بعض السائقين في العمل خوفاً من خسارة دراجاتهم التي تمثل مصدر رزقهم ومدخراتهم. وبيّن أن الشركة قدمت مقترحات ومراسلات إلى الجهات المعنية، تضمنت فكرة إنشاء منصة إلكترونية لتسجيل بيانات السائقين ومركباتهم والتحقق من هوياتهم ووضعهم القانوني، بما يساعد على التمييز بين الملتزمين والمخالفين.
وفيما يتعلق بارتفاع التكاليف، أوضح المنيني أن زيادة أسعار الوقود وقطع الغيار والصيانة تقلص هامش الربح لدى السائقين والشركات، في حين تحد القدرة الشرائية للمواطنين من إمكانية رفع أجور التوصيل بما يوازي تلك الزيادات. لذلك، تتحمل الشركات والعاملون أحياناً جزءاً من الأعباء للحفاظ على أسعار تنافسية واستمرار الطلب، رغم اعتماد بعض السائقين على هذا العمل بوصفه مصدر رزقهم الوحيد.
وأضاف أن الشركة تدعم المشروعات الناشئة والمنزلية والحرفية، بما فيها المنتجات اليدوية، من خلال تسهيل التوصيل والتحصيل المالي والترويج عبر صفحاتها، بما يساعد هذه المشروعات على إيصال منتجاتها إلى الزبائن.
كلفة الدراجة الكهربائية
في ظل التحديات المرتبطة بمصادرة الدراجات النارية، يطرح الانتقال إلى وسائل نقل بديلة أسئلة تتعلق بمدى ملاءمتها للمدن وكلفتها. ويقول طارق خربطلي، الرئيس التنفيذي للعمليات (COO) في شركة B.O.Order، إن الدراجات الهوائية لا تناسب جميع مناطق دمشق، ولا سيما المناطق المرتفعة والطرق ذات التضاريس الصعبة، في حين يتطلب التحول إلى الدراجات الكهربائية تأمين المركبات المناسبة والبنية التحتية اللازمة للشحن.
ويقدّر خربطلي كلفة الدراجة الكهربائية القادرة على تلبية متطلبات العمل بنحو 1700 إلى 2000 دولار، مؤكداً أن اعتماد هذا الخيار يحتاج إلى خطة متكاملة وتعاون بين الأطراف المعنية.
وأوضح أن الشركة تحاول التعامل مع ارتفاع أسعار المحروقات عبر الموازنة بين أجور السائقين وتكاليف الخدمة، لأن رفع رسوم التوصيل فور كل زيادة قد يؤدي إلى تراجع الطلب. وتسعى الشركة إلى استيعاب التقلبات وعدم تحميل المستخدمين الزيادات مباشرة قبل اتضاح اتجاه التكاليف واستقرارها.
وفيما يتعلق بالدخل، قال خربطلي إن السائق الذي يعمل ثماني ساعات يومياً يصل دخله إلى ما بين 1,500 و2,000 ليرة سورية جديدة، وفق نظام العمل وظروفه. وتعتمد الشركة نظامين، أحدهما يتيح للسائق اختيار أوقات العمل بمرونة، والآخر يقوم على فترات محددة.
وباحتساب سعر ليتر البنزين البالغ 185 ليرة سورية جديدة، قد تتراوح كلفة الوقود لسائق التوصيل الذي يعمل ثماني ساعات يومياً وينجز بين 10 و15 توصيلة في دمشق، ويستهلك نحو ليترين إلى ثلاثة ليترات يومياً، بين 370 و555 ليرة سورية جديدة يومياً.
وبذلك، قد تصل الكلفة الشهرية إلى نحو 11,100 إلى 16,650 ليرة سورية جديدة عند العمل 30 يوماً، من دون احتساب نفقات الصيانة وقطع الغيار.
وتبقى هذه الأرقام تقديرية، إذ تختلف بحسب المسافات المقطوعة ونوع الدراجة واستهلاكها الفعلي، فضلاً عن تغير أسعار المحروقات.
وتقدّر الشركة أن الطلب في دمشق وريفها قد يستدعي نحو 2500 إلى 3000 سائق، في حين يبلغ عدد مستخدمي خدمات التوصيل في دمشق قرابة 200 ألف مستخدم.
فرص عمل تتجاوز السائقين
ولا يقتصر أثر شركات التوصيل على السائقين، بل يمتد إلى المطاعم والتجار والمشروعات التي تعتمد على إيصال منتجاتها إلى الزبائن. ويقول عبد المالك المزين، ممثل شركة التوصيل، إن الشركة توفر نحو 1800 فرصة عمل مباشرة للسائقين، وتسعى إلى توسيعها، مشيراً إلى أن طبيعة العمل تتيح للشباب والطلاب ولمن يرغب في زيادة دخله اختيار ساعات تناسب ظروفهم.
وأوضح المزين لموقع "تلفزيون سوريا" أن دخل السائق يرتبط بعدد الطلبات والمسافات والوقت المستغرق ونوع المركبة، وفق نماذج التشغيل التي تعتمدها الشركة. وأضاف أن الشركة تجمع بيانات السائقين وتتحقق منها، وتعمل على ترخيص المركبات وتمييزها بالزي الرسمي وأرقام التعريف على حقائب التوصيل، إلى جانب إلزام السائقين بمعدات السلامة ومراقبة السرعة والمخالفات عبر فريق وأنظمة متابعة إلكترونية.
وشدد على أن مخالفات بعض مستخدمي الدراجات لا ينبغي أن تؤدي إلى تضرر جميع العاملين، ولا سيما السائقين الملتزمين الذين يعتمدون على دخلهم لإعالة أسرهم.
خدمات التوصيل.. فرص للشباب وتحديات متزايدة
وفيما يتعلق بالمستفيدين من الخدمات، ذكر المزين أن الشركة تقدم خدماتها لنحو 150 ألف أسرة، وفق تقديراتها، تشمل توصيل الطلبات وخدمات إضافية مثل دفع الفواتير عبر التطبيق.
كما يسهم القطاع في دعم المطاعم والتجار وتوسيع أعمالهم، وقد يشجعهم على افتتاح فروع جديدة، في حين تتيح التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل الوصول إلى مناطق ريفية تواجه صعوبة في الحصول على بعض السلع.
من جهته، قال علاء عز الدين، مدير أحد المولات في منطقة المزة، إن التعاون مع شركات التوصيل يساعد على توفير الوقت والجهد للمواطنين، من خلال إيصال مشترياتهم إلى منازلهم بدلاً من التوجه إلى المتاجر.
وأضاف أن القطاع يوفر فرص عمل للشباب، ولا سيما في بداية حياتهم المهنية، مشيراً إلى أن أعمار كثير من العاملين فيه تتراوح بين 18 و40 عاماً، وأنهم يعملون بدوام كامل أو جزئي وفقاً لظروفهم واحتياجاتهم.
ولفت عز الدين إلى أن العمل في هذا المجال يتيح للشباب تأمين دخل في ظل الظروف المعيشية الصعبة، في حين تستفيد المتاجر من إتاحة خدمة التوصيل لزبائنها.
وبين ما يوفره قطاع التوصيل من فرص عمل ومصادر دخل، وما يواجهه من ارتفاع في تكاليف التشغيل ومصادرة للدراجات النارية، تبقى قدرة السائقين على الحفاظ على دخلهم مرتبطة بعوامل تتجاوز عدد الطلبات التي ينجزونها يومياً.