ثمة لحظات تعيد ترتيب نظرتنا إلى الحياة دون أن تستأذننا، وتضعنا أمام حقائق كنَّا نعرفها، لكننا لم نشعر بثقلها إلا حين اقتربت من قلوبنا. يأتي خبر رحيل شخص عزيز، فنتوقف قليلًا، لا لأنَّ الموت جديد علينا، بل لأن الغياب هذه المرة يحمل وجهًا نعرفه، وصوتًا ألفناه، وذكريات لا نستطيع أن نضعها في مكانها القديم.
قبل أيام، كنت خارج سلطنة عُمان حين وصلني خبر رحيل صديقة وأخت عزيزة. باغتني الخبر بصدمة لم أكن مستعدة لها، وشعرت بغربة المكان أكثر من أي وقت مضى، تمنيت لو أن الأيام تركض، ولو أن المسافة تنكمش، ولو أنني أستطيع العودة في اللحظة نفسها، ثم عدت إلى عُمان، وذهبت إلى العزاء، ووجدتني أمام الحقيقة التي لا يخفف وقعها أن نعرفها مسبقًا ثمة أشخاص نحبهم، ثم يأتي يوم يصبح فيه الوصول إليهم مستحيلًا، ولا يبقى لنا منهم سوى الدعاء والذكرى وما تركوه فينا.
في العزاء، وبين وجوه اجتمعت على الحزن، فكرت في معنى أن يكون الإنسان جزءًا من حياة الآخرين، كيف يمكن لرحيل شخص واحد أن يجمع كل هذا الحب، وأن يستدعي كل هذه الذكريات، وأن يجعل الناس يتحدثون عن مواقفه وطيبته وتفاصيله الصغيرة؟ عندها أدركت مجددًا أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه وحده، ولا بما يحققه من نجاحات، وإنما بما يتركه في نفوس من مرّ بهم، وبما يبقى منه حين يصبح حضوره ذكرى.
ولعلَّ السؤال الذي ينبغي أن نسأله أنفسنا ليس فقط ماذا سنترك خلفنا؟ بل ماذا نترك الآن، ونحن ما زلنا قادرين على أن نكون حاضرين في حياة بعضنا؟
نحن، في زحام الحياة، نؤجل أشياء كثيرة بحجة الانشغال، نؤجل زيارة شخص اشتقنا إليه، ومكالمة نعرف أنها ستسعد أحدهم، ولقاءً ننتظر أن تسمح لنا الظروف به، نبخل أحيانًا بكلمة طيبة، أو نؤخر اعتذارًا، أو نمرّ على مشاعر الآخرين دون أن نمنحها ما تستحق من انتباه. نتعامل مع الوقت وكأنه رصيد لا ينفد، ومع الأشخاص الذين نحبهم وكأن وجودهم حقيقة ثابتة لا يطالها التغيير.
لكن الحياة لا تمنحنا ضمانات كهذه وليس المقصود أن نعيش خائفين من الفقد، أو أن نحسب كل لقاء على أنه الأخير؛ بل أن نتعلم ألا نؤجل المحبة، وألا نجعل انشغالاتنا حجة دائمة للغياب، وألا ننتظر مناسبة استثنائية حتى نقول للآخرين إنهم يعنون لنا شيئًا.
إن الأثر الطيب ليس بالضرورة مشروعًا يحمل اسم صاحبه، أو منصبًا يتذكره الناس، أو إنجازًا تتناقله الأخبار، قد يكون في إنسان استعدت ثقته بنفسه لأنك أحسنت الاستماع إليه، أو قلب خفّ حزنه لأنك كنت حاضرًا، أو شخص شعر أنه ليس وحيدًا لأنك تذكرت السؤال عنه في الوقت المناسب وقد تكون أعظم الأشياء التي نفعلها هي تلك التي لا ننتبه إلى عظمتها أصلًا.
ولطالما تداول الناس الحكمة الشهيرة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"، ولعل في معناها توازنًا نحتاج إليه أكثر مما نظن؛ أن نسعى في دنيانا، ونبني، ونتعلم، ونخطط للمستقبل، دون أن تنسينا هذه الرحلة أن أعمارنا محدودة، وأن أيامنا فرصة للعمل الصالح والإحسان إلى الآخرين، فلا نؤجل خيرًا نستطيع فعله اليوم، ولا ننشغل ببناء مستقبلنا حتى نغفل عن قلوب من يعيشون معنا في الحاضر.
فلنحرص أن نكون ذكرى طيبة قبل أن نصبح ذكرى، وأن نقول ما يستحق أن يُقال، ونفعل ما نستطيع من خير، ونمنح من نحبهم حضورًا يليق بمكانتهم في قلوبنا، فحين يأتي الغياب، لن نستطيع أن نضيف إلى الأيام التي مضت شيئًا، لكننا نستطيع، ما دمنا أحياء، أن نجعل الأيام التي بقيت أكثر رحمة، وأن نترك في هذه الحياة أثرًا طيبًا يشبهنا، ويستحق أن يبقى بعدنا.