قبل 4 أعوام، وفي الساعات الأخيرة من شهر رمضان، قررت فتاة مصرية التبرع ببطاقة شحن هاتف لمؤسسة مرسال الخيرية، من دون أن تتوقع أن تتحول مساهمتها الصغيرة إلى حملة تبرعات انتهت بشراء مبنى وتجهيزه ليصبح مركزا طبيا لرعاية الأطفال المبتسرين (الخُدّج) افتتح مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري في منطقة المعادي بالقاهرة.
لم ترغب الفتاة في الظهور لاحقا، لكن حكايتها بقيت حاضرة في ذاكرة هبة راشد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة مرسال الخيرية، التي استعادت -في مقابلة مع الجزيرة- تفاصيل المبادرة التي بدأت بهدف توفير جهازين لحضانة الأطفال حديثي الولادة، قبل أن تتجاوز الحملة هدفها الأول وتتخذ مسارا مختلفا.
تعود البداية إلى ليلة يوم 29 رمضان، حين كان العاملون في المؤسسة يستعدون لإجازة العيد، بينما استمرت محاولات جمع التبرعات لاستكمال المبلغ اللازم لشراء جهازي الحضانة. وقبل الفجر بنحو 90 دقيقة، تلقت هبة رسالة من شابة أخبرتها فيها بأنها لا تملك أموالا للتبرع، لكنها تمتلك بطاقة شحن بقيمة 10جنيهات (نحو 0.2 دولار) وتريد تقديمه للمؤسسة.
وتقول هبة إنها فكرت في البداية في شراء البطاقة بنفسها والتبرع بقيمته نيابة عن الفتاة، قبل أن تخطر ببالها فكرة طرحه في مزاد بين المتابعين، لعل مساهمتها تجد طريقا إلى مبلغ أكبر. ولم تكن قيمة التبرع وحدها ما يشغلها، بحسب روايتها، بل رغبتها في إسعاد الفتاة وإشعارها بأن ما قدمته، مهما بدا بسيطا، يمكن أن يحدث فرقا.
وهكذا بدأ المزاد في الساعات الأخيرة من الليل، لتصل قيمة بطاقة الشحن إلى نحو 34 ألف جنيه (636 دولارا) مع حلول صلاة الفجر، وهو مبلغ تجاوز توقعات هبة، التي اعتقدت أن المبادرة حققت غرضها وأن صاحبة الكارت ستسعد بما وصلت إليه مساهمتها.
لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد اقترح أصدقاء هبة استمرار المزاد حتى اليوم التالي، بعدما رأوا أن توقيته المتأخر حرم كثيرين من المشاركة، وأن عطلة العيد قد تمنح المبادرة فرصة للوصول إلى متبرعين جدد.
استمر المزاد، ثم تواصلت شركة الاتصالات التي أصدرت البطاقة مع هبة، معلنة استعدادها للتبرع بمبلغ مماثل لما ستجمعه الحملة. وكانت التبرعات قد بلغت نحو 130 ألف جنيه (2433 دولارا) في تلك المرحلة، قبل أن تتسع المشاركة لتشمل مساهمات متفاوتة القيمة، بدأت بمبلغ 5 و10 جنيهات، ووصلت إلى تبرعات أكبر من أفراد، ومن رجال أعمال قرر أحدهم تقديم زكاة ماله عن العام التالي للمشاركة في الحملة.
وتقول هبة إن المبادرة أظهرت لها كيف يمكن لمساهمات صغيرة، حين تجتمع، أن تحقق نتائج تتجاوز التوقعات، مشيرة إلى أن نجاح الحملة لم يقتصر على حجم التمويل، بل شمل أيضا اتساع التفاعل المجتمعي معها. ومع تزايد التبرعات، تجاوزت المبادرة هدفها الأصلي المتمثل في استكمال ثمن جهازي الحضانة. وبدلا من الاكتفاء بشراء الجهازين، أتاحت الأموال التي جُمعت للمؤسسة التوجه إلى مشروع أوسع، تمثل في شراء مبنى وتجهيزه ليصبح مركزا جديدا للحضانات.
وتقول هبة إن المؤسسة حرصت على البقاء ضمن المجال الذي انطلقت منه الحملة، وهو رعاية الأطفال حديثي الولادة الذين يحتاجون إلى خدمات طبية متخصصة، حتى تظل الأموال التي تبرع بها المشاركون مرتبطة بالغاية التي جمعت من أجلها.
ومطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، افتتحت حضانات مرسال الجديدة في منطقة المعادي بالقاهرة، لتصل المبادرة إلى محطة جديدة بعد أن بدأت ببطاقة شحن لم تتجاوز قيمتها 10 جنيهات. وترى هبة أن أهمية المشروع لا تكمن في حجم الأموال التي جمعت فقط، بل في أن مساهمة فتاة فضلت البقاء بعيدا عن الأضواء أصبحت نقطة انطلاق لمبادرة شارك فيها متبرعون من مستويات اقتصادية مختلفة.
كما تعتبر أن افتتاح المركز يمثل توثيقا لما أسهم فيه المتبرعون، ويجسد قدرة العمل الجماعي على تحويل مساهمات متواضعة إلى مشروع بملايين الجنيهات يخدم احتياجات طبية وإنسانية.