منذ بدأت تتكشف المؤشرات الأولى إلى اختفاء أطفال سوريين عبر منظومة الرعاية المؤسسية، كنت على قناعة بأن ما حدث لا يمكن فصله عن مسؤولية بعض المنظمات الدولية المشرفة على هذه المؤسسات. وخلال مقابلات أجرتها معي جهات عيّنتها قرى الأطفال SOS أو أخرى مستقلة تولّت تحقيقات استقصائية، أكدت مراراً أن اختفاء الأطفال لا يمكن أن يحدث من دون معرفة المنظمة الدولية، أو قبولها، أو على الأقل اتخاذ قرار بغض الطرف.
لم يستند موقفي إلى معطيات مباشرة حسّية، بل إلى حدسي المهني وسنوات من العمل والبحث في الرعاية المؤسسية، والفصل القسري للأطفال عن عائلاتهم، والتبنّي غير القانوني، ومحو الهويات. فالأطفال لا يختفون ببساطة داخل دور الرعاية: هناك من يستقبلهم، ويسجّل أسماءهم، ويحتفظ بوثائقهم، ويقرّر من يستطيع الوصول إليهم، ومن يُحرم من معرفة مصيرهم.
جاء التحقيق الذي نشرته “لايتهاوس ريبورتس” بالتعاون مع “بي بي سي آي” في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، ليعيد طرح هذه الأسئلة. فبحسب ما نشره التحقيق الصحافي عن مسودة تقرير أعدّتها شركة المحاماة النرويجية “فيرسهولم” بتكليف من قرى الأطفال SOS، خلصت المسودة إلى أن المنظمة لم تكن مجبرة على استقبال الأطفال الذين نقلتهم الأجهزة الأمنية السورية، وأثارت مسؤولية مقرّها الدولي في فيينا عن المؤسسات المعنية. لم تُنشر المسودة، فيما اعترضت المنظمة على جوانب من مسار التحقيق ونتائجه. وهذه استنتاجات وردت في تحقيق صحافي ومسودة تقرير، وليست أحكامًا قضائية نهائية.
هنا لا نتحدث فقط عن احتمال مسؤولية مؤسسة عن إخفاء أطفال، بل عن أسئلة تتعلق بمن يملك حق الاطلاع على التحقيقات والسجلات، ومن يقرّر نشرها. فهل تصبح حماية السمعة المؤسسية أهم من حق الأطفال وعائلاتهم في معرفة الحقيقة؟
كشفت التحقيقات المتعلقة بالأطفال السوريين أن أجهزة نظام بشار الأسد نقلت أطفالَ معتقلين ومعتقلات إلى دور أيتام ومؤسسات رعاية، وأُخفيت في بعض الحالات معلومات عن هوياتهم وأماكن وجودهم. لم يكن هؤلاء الأطفال بالضرورة أيتاماً، بل كان كثير منهم ضحايا فصل قسري عن عائلاتهم.
والأكثر إثارة للقلق أن الإخفاء لم يقتصر، بحسب التحقيقات المنشورة، على إيداع الأطفال في المؤسسات. فقد أظهرت تحقيقات أخرى كيف يمكن أن يصبح الانتقال من دار الرعاية إلى عائلة بديلة جزءاً من مسار محو الهوية.
وقد قدّم تحقيق استقصائي أعدته مؤسسة “يد صغيرة” (Tiny Hand) في تموز/ يوليو 2026 ونشره “درج” للصحافيين هديل عرجة وخليل العشاوي، مثالاً بالغ الدلالة في قصة الطفلة لوتس البشوات. فبعد اعتقال والديها عام 2014، نُقلت وهي في الثانية من عمرها، بإحالة من المخابرات الجوية، إلى دار “لحن الحياة” في ريف دمشق. وبحسب شهادة عمّها، نُقلت لاحقاً إلى منزل ضابط في الجيش السوري، وبدأت تناديه “بابا” وزوجته “ماما”. وقد وثّقت سجلات الدار دخول الطفلة وخروجها، لكنها لم توثّق انتقالها إلى منزل الضابط. ولم تستعد عائلتها الطفلة إلا بعد بحث طويل وتدخّل أحد الأقارب. ولا يثبت التحقيق حصول تبنٍّ قانوني، بل يوثّق انتقال طفلة معروفة النسب إلى منزل ضابط من دون تسجيل واضح لوجهتها.
تستحضر هذه القصة ما حصل في الأرجنتين خلال الدكتاتورية العسكرية بين عامَي 1976 و1983، حين انتُزع أطفال من معتقلات ومعتقلين سياسيين، ووُضع بعضهم لدى عائلات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، ونشأ كثيرون منهم بهويات مزوّرة. ولا تزال جدّات ساحة مايو تبحث عن أحفادها وأحفادهن وتعمل على استعادة هوياتهم.
لا تتوقف الأسئلة حول مسؤولية “قرى الأطفال SOS” عند سوريا. ففي أوكرانيا، أثارت أنشطة الجمعية الروسية التي تحمل اسم المنظمة مخاوف جدّية بشأن علاقتها بسلطات الاحتلال. ففي بيان صدر في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، أشارت الشبكة الأوكرانية لحقوق الطفل إلى تحقيقات صحافية عن إيداع أطفال أوكرانيين نُقلوا من الأراضي المحتلة لدى عائلات حاضنة مرتبطة بمرافق الجمعية في روسيا. وعلى رغم تعليق عضوية الجمعية الروسية في الاتحاد الدولي في 18 أيار/ مايو 2023، إلا أنها واصلت أنشطتها، ووردت معلومات عن اجتماعات واتفاقيات تعاون مع سلطات الأمر الواقع في مناطق أوكرانية محتلة.
كما أشار البيان إلى مؤتمر نُظّم في آذار/ مارس 2025 بدعم من ماريا لفوفا-بيلوفا، المفوّضة الروسية لحقوق الطفل، التي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقها للاشتباه بمسؤوليتها عن النقل والترحيل غير القانونيين لأطفال أوكرانيين. لا تثبت هذه الوقائع مسؤولية الاتحاد الدولي المباشرة عن أنشطة الجمعية الروسية، لكنها تثير سؤالاً عن حدود إشرافه على جمعية معلّقة العضوية تواصل استخدام اسمه وشعاره. في المقابل، ينبغي التمييز بينها وبين الجمعية الأوكرانية التي تعمل على دعم الأطفال وعائلاتهم.
في فيتنام، خلال عملية بابي ليفت عام 1975، شاركت طائرات عسكرية أميركية في إجلاء آلاف الأطفال تمهيداً لتبنّي كثيرين منهم في الخارج. وأثارت العملية أسئلة بشأن موافقة الأهل، وصحة اعتبار الأطفال أيتاماً، وتحويل الإيواء المؤقت إلى فصل دائم.
وفي تشيلي وغواتيمالا، وثّقت تحقيقات وشهادات تاريخية أنماطاً من التبنّي القسري وغير القانوني، ودور وسطاء ومؤسسات في فصل أطفال عن عائلاتهم. وتحتاج التفاصيل الخاصة بإبلاغ أمهات زوراً بوفاة مواليدهن، أو بتسجيل أطفال على أنهم متروكون، إلى إحالات محددة بحسب البلد والحالة.
أما في كندا، فقد انتُزع أطفال السكان الأصليين من عائلاتهم وأُودعوا مدارس داخلية موّلتها الدولة وأدارت معظمها مؤسسات دينية. توفي آلاف الأطفال في تلك المدارس، وحُرمت عائلات كثيرة من معرفة مصائرهم أو أماكن دفنهم. وأعادت عمليات البحث عن المدافن غير المعلّمة والمواقع المحتملة للدفن فتح تاريخ طويل من العنف المؤسسي والإنكار.
تختلف هذه التجارب في سياقاتها وأهدافها، لكنها تشترك في مسألة أساسية: منح المؤسسات سلطة استثنائية على هوية الطفل وعلاقاته، وعلى المعلومات التي تتيح لعائلته العثور عليه.
لا يقتصر تغييب الأطفال على حالات الإخفاء القسري بالمعنى القانوني. ففي مخيمات الهول وروج في شمال شرقي سوريا، عاش أطفال من عائلات يُنسب إليها الارتباط بتنظيم “داعش”، سنوات من الاحتجاز أو تقييد الحركة، بينما تأخرت دول في استعادتهم. لا يعني ذلك أن جميعهم ضحايا إخفاء قسري، لكنه يطرح سؤالاً عن تحميل الأطفال تبعات أفعال لم يختاروها، وعن مسؤولية الدول تجاههم.
وفي أوروبا، وثّق تحقيق لشبكة “لوست إن يوروب”، تسجيل 51,433 طفلاً غير مصحوبين بذويهم بوصفهم مفقودين بين عامَي 2021 و2023، بعد وصولهم إلى دول أوروبية. لا يعني ذلك أن جميعهم تعرّضوا للخطف أو الإخفاء القسري، لكنه يكشف ثغرات خطيرة في التتبّع والمساءلة داخل أنظمة الاستقبال.
وفي السودان، كما في مناطق نزاع أخرى، يُفصل الأطفال عن عائلاتهم خلال النزوح، وقد يتحوّل الانفصال المؤقت إلى سنوات من الغياب إذا غابت آليات فعّالة لتتبّع الروابط العائلية.
تختلف آليات الفصل والإخفاء والتغييب، لكن السؤال يبقى: من يتحمّل المسؤولية عن طفل دخل منظومة يفترض أنها مسؤولة عن سلامته، ثم لم يعد أحد يعرف مكانه؟
لعلّ أخطر ما يجمع هذه التجارب هو قدرة المؤسسات على إعادة تعريف الطفل. فالطفل الذي اعتُقل والداه قد يُصنّف “يتيماً”، والذي انفصل عن عائلته أثناء النزوح “غير مصحوب”، والمولود في مخيم مرتبط بتنظيم “داعش” قد يُعامل بوصفه “خطراً أمنياً”، والمنقول إلى عائلة أخرى قد يُختزل في ملف “رعاية بديلة” أو “تبنٍّ”.
لا تتساوى هذه الحالات قانونياً أو واقعياً، لكن التصنيف قد يحجب روابط الطفل السابقة. قد تكون لهذه التصنيفات وظائف إدارية، لكنها تتحوّل إلى أدوات للعنف حين تحجب العلاقات التي سبقت دخول الطفل إلى المؤسسة، أو تمنح شرعية لفصله عن عائلته.
وهنا يصبح الأرشيف جزءاً أساسياً من المساءلة. فالسجلات ليست مجرد أوراق إدارية، بل قد تكون الطريق الوحيد لاستعادة اسم أو نسب أو علاقة عائلية. وحجبها، أو تغييرها، أو الامتناع عن إتاحتها للمتضررين، قد يطيل أمد الاختفاء حتى بعد انتهاء الظروف التي أدّت إليه.